Sunday, 7 November 2021

تفسير سورة الفيل حفظ الله الكعبة من الهدم بشارة بنبي التوحيد

   
      
 

 

التعريف بالسورة :

- سورة مكية - من المفصل – عدد آياتها ٥ آيات- ترتيبها بالمصحف الخامسة بعد المائة .

من جزء (عم) الحزب (٦٠) الربع(٨) -نزلت بعد سورة الكافرون- بدأ باسلوب استفهام {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} - لم يذكر لفظ الجلالة في السورة .

محور مواضيع السورة:

تتحدث السورة عن قصة أصحاب الفيل حين قصدوا هدم الكعبة ،فرد الله كيدهم في نحورهم، و أرسل عليهم طيرا حملت حجارة أهلكتهم، وهذا الجيش المعتدي هو : جيش أبرهة الأشرم  ليكون بمن فيه عظة وعبرة لغيرهم من الكفار . فقد أرادوا أن يكيدوا قريشا بالقتل والسبي ، والبيت بالتخريب والهدم ، فجعلهم تعالى عبرة لكل معتبر.

سبب النزول:

نزلت في قصة أصحاب الفيل وقصدهم تخريب الكعبة وما فعل الله بهم من إهلاكهم وصرفهم عن البيت وهي معروفة. ليس فيها حديث، وموضوعها يكفي للدلالة.

التفسير:

هذه السورة التي امتن الله بها على قريش فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة، وكانوا قومًا نصارى وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالًا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان.

 ولكن كان هذا من باب الإِرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم "يا معشر قريش" على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد ﷺخاتم الأنبياء.

وقصة أصحاب الفيل على وجه الاختصار:

 أن ملك اليمن أبرهة أراد أن يصد الناس عن الحج إلى الكعبة فبنى بيتًا يشبه الكعبة، ودعى الناس إلى حجه، ليصدهم عن حج بيت الله، فغضب لذلك العرب، وذهب رجل منهم إلى هذا البيت الذي جعله ملك اليمن بدلًا عن الكعبة، ولطخ جدرانه بالقذر.

فغضب ملك اليمن غضبًا شديدًا، وعلم أن ذلك من فعل العرب، فقدم بجيش عظيم إلى مكة، وكان معه الفيلة، وفي طريقه بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قومه، فقاتلوه، فهزمهم أبرهة، وأسر نفيل بن حبيب الخثعمي، واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز، ولما تهيأ أبرهة لدخول مكة وهيأ فيله (محمود) أكبر الفيلة وعبأ جيشه ووجهوا الفيل نحو مكة، أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه ثم أخذ بأذنه وقال: ابرك محمود أو ارجع راشدًا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين( مطرقة) وأدخلوا محاجنهم في مَراقَه( الجلد الرقيق من جسمه)، وبزغوه ( غرزوها بها) ليقوم فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك.

 وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، ويسألون عن نُفيل ليدلهم على الطريق، هذا ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة وجعل نفيل يقول:

أَيْنَ المَفَرُّ؟ وَالإِلَهُ الغَالِبُ ** وَالأَشْرمُ المَغْلُوبُ غَيْرُ الغَالِبِ

وكان ذلك قبل بعثة النبي ﷺبأربعين عامًا وكان بعض الذين شهدوا ذلك أحياء عند البعثة، وهي من إرهاصات البثه، وتشريفا للقادم نبي الله الكريم ﷺ.

قَولُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيل} أي: ألم يجعل الله تعالى مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة ضلالًا منهم أدى بهم إلى الهلاك؟

قَولُهُ تَعَالَى: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيل} أي: جماعات متفرقة وهي طير سود جاءت من قبل البحر فوجًا فوجًا، مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجران في رجليه، وحجر في منقاره لا يصيب شيئًا إلا هشمه.

قَولُهُ تَعَالَى: { تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيل} قالوا: هي حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب فيها أسماء القوم، فإذا أصاب أحدهم حجر منها خرج به الجدري، وكان الحجر كالحمصة وفوق العدسة.

قَولُهُ تَعَالَى: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُول} أي: كورق الزرع إذا أكلته الدواب فرمت به من أسفل، وقيل: المعنى صاروا كورق زرع قد أكلت منه الدواب وبقي منه التبن.

والمعنى أن الله سبحانه وتعالى أهلكهم ودمرهم بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيرًا، وأهلك عامتهم ولم يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح كما جرى لملكهم أبرهة، فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء وأخبرهم بما جرى لهم ثم مات.

ومن فوائد السورة الكريمة:

أولًا: أن هذه نهاية كل طاغية يحارب الله ويستحل حرماته، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم ﴾ (الحج  ٢٥).

وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد ﴾ (هود ١٠٢) (البخاري).

ثانيًا: قدرة الله العظيمة، فهو القادر على كل شيء، قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون ﴾ (يس٨٢)

 وقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ (فاطر  ٤٤).

 

والله أولى وأعلم، وله الحمد والفضل والمنة.

 

Friday, 5 November 2021

تفسير سورة الهمزة من أخسر ممن انشغل بالحط من الناس همزا ولمزا وجمع المال...

    
      

التعريف بالسورة :

- السورة مكية .- من المفصل – من جزء(عم) (٣٠) الحزب (٦٠) الربع (٨) – ترتيبها بالمصحف الرابعة بعد المائة .- عدد آياتها  ٩ آيات - نزلت بعد سورة القيامة .

بدأت بالدعاء على الذين يعيبون الناس "ويل لكل همزة "

 

سبب نزول السورة :

أخرج ابن المنذر عن ابن إسحاق قال : كان أمية بن خلف إذا رأى رسول الله همزه ولمزه ، فأنزل الله ( ويل لكل همزة لمزة ) السورة كلها. 

محور مواضيع السورة:

تحدثت السورة عن الذين يعيبون الناس ويأكلون أعراضهم بالسخرية والطعن ، وذمت من يشتغلون يجمع المال وتكديس الثروات وكأنهم مخلدون في الدنيا ، وذكرت عاقبتهم بدخولهم النار، وبينت الآيات عظم النار وشدتها على كل من يكفر بالله تعالى وينسى شكر نعمه فيترك الإنفاق في سبيله.

التفسير:

الهماز:بالقول، واللماز:بالفعل. يعني: يحتقر ويقلل من شأن الناس، ويزدريهم ، وينتقص بهم. وهو مثل قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ } (القلم ١١) . ( هَمَّازٍ ) قال ابن عباس وقتادة:يعني الاغتياب.{ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ } يعني:الذي يمشي بين الناس، ويحرش بينهم وينقل الحديث لفساد ذات البين وهي الحالقة كما قال رسول الله ﷺ.
 وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال:مر رسول الله ﷺ بقبرين فقال:
« إنَّهُما لَيُعَذَّبَانِ، وما يُعَذَّبَانِ في كَبِيرٍ، أمَّا أحَدُهُما فَكانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وأَمَّا الآخَرُ فَكانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ»

وقال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } (التوبة٥٨)، يعني يلمزون النبي ﷺ وهو يوزع الصدقات.

قال ابن عباس: {هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } طعان معياب. وقال الربيع بن أنس: الهُمَزة، يهمزه في وجه، واللمزة من خلفه.

 وقال قتادة: يهمزه ويلمزه بلسانه وعينه، ويأكل لحوم الناس، ويطعنُ عليهم.

وقال مجاهد: الهمزة: باليد والعين، واللمزةُ: باللسان. وهكذا قال ابن زيد. وقال مالك، عن زيد بن أسلم:هُمَزة لحوم الناس.

واللمز: ما كان باللسان .ويستدل عليه بقوله تعالى: {لا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ} (الحجرات١١) .

 وبعضهم يقول:

الأمر لا يتعلق بالآلة، وإنما الهمزة هو من يطعنك في وجهك.

واللمزة : هو من يطعنك في غيابك.

 وعلى كلٍّ، فكلاهما مذموم منبوذ مقبوح .

وعن ابن عباس أنه سئل عن قوله: { وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ }

قال : هو المفرّق بين الجمع، المغري بين الإخوان.

في التحذير من الهمز واللهمز وذمُّ السخرية والاستهزاء والنهي عنهما في السنة النبوية:

والهمز واللّمز هما من صور الغيبة المحرّمة التى نهى عنها الشارع الحكيم، حيث جاء فى الحديث الذى رواه أبو هريرة رضى الله عنه: « أَتَدْرُونَ ما الغِيبَةُ؟ قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكْرَهُ قيلَ أفَرَأَيْتَ إنْ كانَ في أخِي ما أقُولُ؟ قالَ: إنْ كانَ فيه ما تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيه فقَدْ بَهَتَّهُ.»، ( مسلم)،  والغِيبةُ، وهي مِن أقبحِ القبائح وأكثَرها انتشارا بين النّاس؛ حتَّى إنه لا يكاد يسلم منها إلَا القليل مِنَ النَّاسِ، نسأل الله العافية.

عن عائشة، قالت: «حكيت للنبي ﷺ رجلًا فقال: ما يسرني أني حكيت رجلًا وأن لي كذا وكذا، قالت: فقلت: يا رسول الله، إن صفية امرأة، وقالت بيدها هكذا، كأنها تعني قصيرة، فقال: لقد مزجت بكلمة لو مزجت بها ماء البحر لمزج» ( رواه الترمذي وقال حسن صحيح)

 فهي رضي الله عنها أشارت بيدها إشارة بها (تعني قصيرة)، أي تريد أن صفية قصيرة، فقال لها رسول الله ﷺ: «لقد مزجت بكلمة»  أي أعمالك «لو مزج» بصيغة المجهول أي لو خلط (بها) أي على تقدير تجسيدها، وكونها مائعة (لمزج) بصيغة المجهول أيضًا والمعنى تغير وصار مغلوبًا. وفي المشكاة: لقد قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته. قال القاري: أي غلبته وغيرته. قال القاضي: المزج الخلط والتغيير بضم غيره إليه.

وقوله (ما أحب أني حكيت إنسانًا): (أي فعلت مثل فعله أو قلت مثل قوله منقصًا له)، يقال حكاه وحاكاه، قال الطِّيبي: وأكثر ما تستعمل المحاكاة في القبيح (وأن لي كذا وكذا) أي لو أعطيت كذا وكذا من الدنيا أي شيئًا كثيرًا منها بسبب ذلك، فهي جملة حالية واردة على التعميم والمبالغة، قال النووي: من الغيبة المحرمة المحاكاة بأن يمشي متعارجًا أو مطاطيًا رأسه، أو غير ذلك من الهيئات، وقد تكون المحاكاة على سبيل التظرف والتسلية وهي عند الله كبيرة.

- وعن أم هانئ رضي الله عنها أنها سألت رسول الله ﷺ قالت: (قلت: يا رسول الله، أرأيت قول الله تبارك وتعالى: {وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ } (العنكبوت ٢٩) ما كان ذلك المنكر الذي كانوا يأتونه؟ قال: كانوا يسخرون بأهل الطريق، ويخذفونهم)

وقد نهى رسول الله  أن يحقِّر أو يقلل المسلم من شأن أخيه المسلم، فقال: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" ، يعني يكفي المؤمن من الشرِّ أن يحقر أخاه المسلم، وهذا تعظيم لاحتقار المسلم، وأنه شرٌّ عظيم، لو لم يأت الإنسان من الشر إلا هذا؛ لكان كافيًا، فلا تحقرن أخاك المسلم، لا في خلقته، ولا في ثيابه، ولا في كلامه، ولا في خلقه، ولا غير ذلك، أخوك المسلم حقه عليك عظيم، فعليك أن تحترمه وأن توقره، وأما احتقاره فإنه محرم، ولا يحل لك أن تحتقره.

وقوله: {الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ } أي:جمعه بعضه على بعض، وأحصى عدده كقوله: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} ( المعارج ١٨) قاله السدي، وابن جرير.

وقال محمد بن كعب في قوله: {الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ} أ ألهاه ماله بالنهار، هذا إلى هذا، فإذا كان الليل، نام كأنه جيفةوهذا الذي يحمله على الحطِّ من أقدار الناس هو جمعُه المال، وتعديده - أي: عدُّه - مرة بعد أخرى؛ شغفًا به وتلذذًا بإحصائه؛ لأنَّه لا يرى عزًّا ولا شرفًا ولا مجدًا في سواه،  قال تعالى:

{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ

وَهُمْ كَافِرُونَ} (التوبة  ٥٥)، وعذاب الدنيا هو تعبهم في عدها، وخزنها، والحذر من سرقتها، وفي الآخرة الحساب.

روى البخاريُّ في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: " تَعِسَ عبدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ" (رواه البخاري)، وهذا تَحذيرٌ مِنَ النَّبيِّ ﷺ لكُل مؤمن مِن أنْ يكونَ عبدًا لشَهَواتِه، وحثٌّ على أنْ يعيش المؤمِن حياتَه لله، وفي سبيله سبحانَه.

قوله تعالى: {يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ} أي: أيظنُّ أنَّ ماله الذي جمعَه وأحصاه، وبخِل بإنفاقه مُخلدُه في الدنيا، فمزيلٌ عنه الموت؟ كلاَّ، وكلا هنا للنفي، فيوقف عليهاحتى لا تنفي ما بعدها. وقد قال تعالى لنبيِّه ﷺ: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} (الأنبياء٣٤)

ثم قال تعالى: {لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ} أي: ليلقين هذا الذي جمع مالا فعدده في الحطمة وهي اسم من أسماء النار صفة؛ لأنها تحطم من فيها.

ولهذا قال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأفْئِدَةِ } قال ثابت البناني: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء، ثم يقول:لقد بلغ منهم العذاب، ثم يبكي.

وقال محمد بن كعب:تأكل كل شيء من جسده، حتى إذا بلغت فؤاده حَذْوَ حلقه ترجع على جسده.

وقوله: {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ } أي:مطبقة ،

وقال ابن مَرْدُويه:بسنده عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: {إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ} قا ﷺ: ( مطبقة ) .

{فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} قال عطية العوفي:عمد من حديد. وقال السُّدِّي:من نار. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: {فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} يعني:الأبواب هي الممدوة .

وقال قتادة في قراءة عبد الله بن مسعود:إنها عليهم مؤصدة بعمد ممدة.

وقال العوفي، عن ابن عباس:أدخلهم في عمد فمدت عليهم بعماد، وفي أعناقهم السلاسل فسدت بها الأبواب.

وقال قتادة:كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار. واختاره ابن جرير.

وقال أبو صالح: {فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ} يعني القيود الطوال.  اللهم إنا نعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.

 

والله أعلم ، ولله الحمد على التمام والفضل والمنة