Showing posts with label أحاديث نبوية شريف وشرحها. Show all posts
Showing posts with label أحاديث نبوية شريف وشرحها. Show all posts

Tuesday, 17 December 2024

قراءة في رياض الصالحين ح6 تابع باب الصبر


قراءة في رياض الصالحين
ح 5
تابع : باب الصبر:

14/38 ــ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلْتُ عَلَىٰ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: " يَا رَسُولَ الله إِنَّكَ تُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً، قَالَ:  "أجَلْ، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنكُمْ"، قُلْتُ: ذلِكَ أنَّ لَكَ أجْرَيْنِ؟ قَالَ:  "أجَلْ ذَلِكَ كَذلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أذىً، شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيِّئاتِهِ، وَحُطَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا"   (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.)
و(الوَعْكُ): مَغْثُ الْحُمَّى، وَقِيلَ: الْحُمَّى.
غريب الحديث:
نصب: تعب.
هداية الأحاديث:
1) من رحمة الله بعبده المؤمن، أنه يكفر عَنْهُ بما يصيبه من الهم والغم، والتعب والمرض، وغير ذلك.
2) كلما اشتد المرض والأذىٰ بالعبد المؤمن فصبر، ضاعف الله له الأجر وكفر عَنْهُ الخطايا. قال رسول الله: "
إذا أحَبَّ اللهُ عَبدًا عَسَلَه. قالَ: يا رَسولَ اللهِ، وما عَسَلَه؟ قالَ: يُوَفِّقُ له عَمَلًا صالِحًا بيْنَ يَدَي أجَلِه حتَّى يَرضى عنه جيرانُه -أو قالَ: مَن حَولَه-" ( صحيح الترغيب والترهيب)
3)علىٰ الإنسان ألاّ يجمع علىٰ نفسه بين الأذىٰ وتفويت الثواب، فالواجب عند المصيبة لزوم الصبر وعدم التسخط.
15/39 ــ وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ
"مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُصِبْ مِنْهُ" (رَوَاه البُخَارِيّ).   وَضَبَطُوا (يُصَبْ): بفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا.
غريب الحديث:
يُصِب منه: أي أن الله يُقدّر عليه المصائب.
هداية الحديث:
1) إن مقابلة الابتلاء بالصبر والاحتساب، يرفع الله به الدرجات، ويكفر الخطيئات.
2) المصائب التي تنزل بالمؤمن دليل علىٰ أن الله يحبه، ويريد به الخير.
16/40 ــ وَعَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ:
" لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أحَدكُمُ الْمَوْتَ لضُرٍّ أصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لابُدَّ فَاعِلاً فَلْيقُل: اللهم أحْيِني مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً لِي، وَتَوَفَّني إذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لِي". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
 هداية الحديث:
1) النهي عن تمني الموت عند الفتن والمصائب؛ لأن هذا يخالف واجب الصبر، ويدل علىٰ جزع صاحبها.
2)العبد المؤمن يفوض جميع أموره إلىٰ الله، مَعَ حب لقاء الله عز وجل.
"وخيرُ الناس من طالَ عمرُه، وحَسُنَ عملُه،  قال : فأيُّ الناسِ شرٌ ؟ قال : مَن طالَ عمرُه، وساءَ عملُه .          ( صحيح الترغيب والترهيب)
17/41 ــ وَعَنْ أبِي عَبْدِ الله خَبَّابِ بْنِ الأرَتِّ رضي الله عنه قَالَ:
شَكَوْنَا إِلَىٰ رَسُولِ الله ﷺ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: ألاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ ألاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: "قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيها، ثُمَّ يُؤْتَىٰ بالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَىٰ رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ ليُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأمْرَ حَتَّىٰ يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَىٰ حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَىٰ غَنَمِهِ، وَلكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ"   (رَوَاهُ البُخَارِيّ. )
وَفِي رِوايَة: "وَهُوَ مُتَوَسِّد بُرْدَةً وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً".
غريب الحديث:
متوسد بردة:  جعلها تحت رأسه كالوسادة.
هداية الحديث:
1)وجوب الصبر علىٰ أذية أعداء المسلمين، مَعَ الأخذ بأسباب النصر والفرج.
2)من دلائل النبوة: صدق ما أخبر به ﷺ؛ حيث كَانَ عاقبة الصبر ما بَشَّر به من إتمام أمر الدين.

18/42 ــ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ:
"لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ رَسُولُ الله ﷺ نَاساً في الْقِسْمَةِ، فَأعْطَىٰ الأقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مائَةً مِنَ الإبِلِ، وَأعْطَىٰ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ مِثْلَ ذلِكَ، وَأعْطَىٰ نَاساً مِن أشْرَافِ الْعَرَب، وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إنَ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ الله، فَقُلْتُ: وَاللهِ لأُخْبِرَنَّ رَسُولَ الله ﷺ، فَأتَيْتُهُ فَأخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَتَغيَّرَ وَجْهُهُ حَتَىٰ كَانَ كَالصِّرفِ. ثُمَّ قَالَ: "فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ"؟ ثُمَّ قَالَ: "يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوْذِي بِأكْثَرَ مِنْ هذَا فَصَبَرَ". فَقُلْتُ: لا جَرَمَ لا أرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَهَا حَدِيثاً. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ )
وَقَوْلُهُ: (كَالصِّرْفِ) هُوَ بِكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: وَهُوَ صِبْغٌ أحْمَر.
غريب الحديث:
لا جرم: حقّاً، بمعنىٰ تحقق الشيء.
هداية الحديث:
1) جواز أن يعطي ولي الأمر من يَرىٰ في إعطائه المصلحة، كَأنْ يكون في ذلك تأليفاً للقلوب.
2) علىٰ العبد أن يقتدي بالأنبياء في الصبر علىٰ الأذى، وأن يحتسب الأجر عند الله تعالىٰ، فإن أوذي فإنه يسلي نفسه بما أصاب الأنبياء قَبْلنا صلوات الله وسلامه عليهم.
19/43 ــ وَعَنْ أنسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ :
"إِذَا أرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ خَيْراً عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَرَّ أمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّىٰ يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاء، وَإنَّ اللهَ تَعَالَىٰ إِذَا أحَبَّ قَوْماً ابْتَلاهُم، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضى، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ"
(رَوَاهُ التّرمذي وَقَالَ: حَدِيث حَسَنٌ. )
هداية الحديث:
1) العقوبات تكفّر السيئات.
2) إن إمهال الله عز وجل للعاصين هو استدراج لهم، فالعقوبة تؤخر لحكمةٍ وموعدٍ قدّره الله تعالىٰ:
{حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} ‎﴿الأنعام- ٤٤﴾‏  
فائدة:
في هذه الأحاديث دلالة صريحة علىٰ أن المؤمن كلما كان أقوىٰ إيماناً، ازداد ابتلاءً وامتحاناً، وكلما ضعف إيمانه، خف ابتلاؤه وامتحانه، ففي هذا ردٌّ علىٰ ضعفاء العقول والأحلام الذين يظنون أن المؤمن إذا أصيب ببلاء فإنه غير مرضي عند ربه، وهو ظن باطل ومقاييس فاسدة، لربط الرضىٰ في الآخرة، بالسعة والرخاء في الدنيا.
{أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ} ( المؤمنون ٥٥ -٥٦)
20/44 ــ وَعَنْ أنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ ابْنٌ لأبي طَلْحَةَ رضي الله عنه يَشْتكِي، فَخَرَجَ أبُو طَلْحَةَ، فَقُبِضَ الصبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أبُو طَلْحَةَ قَال:
مَا فَعَلَ ابْنِي؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَهِيَ أُمُّ الصَبيِّ: هُوَ أسْكَنُ مَا كَانَ، فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ الْعَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ:  "وَارُوا الصَّبِيَّ، فَلَمَّا أصْبَحَ أبُو طَلْحَةَ أتىٰ رَسُولَ الله ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَقَالَ: "أعَرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟"  قَالَ: نَعَم، قَالَ: "اللهم بَارِكْ لَهُمَا؟" فَوَلَدَتْ غُلاماً، فَقَالَ لِي أبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حَتَّىٰ تَأْتِي بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، فَقَالَ: «أمَعَهُ شَيْءٌ؟» قَالَ: نَعَمْ، تَمَرَاتٌ، فَأخَذَها النَّبِيُّ ﷺ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أخَذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا فِي فِي الصَّبيِّ، ثُمَّ حَنَّكَهُ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ الله."  (مُتَّفَق عَليْه.)
وَفِي رِوَايَةٍ للْبُخَارِيِّ: قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ:
فَرَأيْتُ تِسْعَةَ أوْلادٍ كُلَّهُمْ قَدْ قَرَؤُوا الْقُرْآنَ، يَعْنِي مِنْ أوْلادِ عَبْدِ الله الْمَوْلُودِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: مَاتَ ابْنٌ لأبي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ لأهْلِهَا: لا تُحَدِّثُوا أبَا طَلْحَةَ بابنِهِ حَتَّىٰ أكُونَ أنا أُحَدِّثُهُ، فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً فَأكَلَ وَشَرِبَ، ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أحْسَنَ مَا كَانَتْ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلِكَ، فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا أنْ رَأتْ أنّهُ قَدْ شَبِعَ وَأصَابَ مِنْهَا قَالَتْ:  "يَا أبَا طَلْحَةَ، أرَأيْتَ لَوْ أنَّ قَوْماً أعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أهْلَ بَيْتٍ فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُم أنْ يَمْنَعُوهُمْ ؟" قَالَ: لا، فَقَالَتْ: فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ. قَالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ قَالَ: تَرَكْتِني حَتَّىٰ إذَا تَلَطَّخْتُ ثُمَّ أخْبَرْتِني بابْني! فَانْطَلَقَ حَتَّىٰ أتَىٰ رَسُولَ الله ﷺ فَأخْبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ: 
"بَارَكَ اللهُ في لَيْلَتِكُما"  قَال: فَحَمَلَتْ، قَال: وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ في سَفَرٍ وَهِيَ مَعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا أتىٰ الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ لا يَطْرُقُهَا طُرُوقاً فَدَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ، فَاحْتَبَسَ عَلَيْهَا أبُو طَلْحَةَ، وَانْطَلَقَ رَسُولُ الله ﷺ، قَالَ: يَقُولُ أبُو طَلْحَةَ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ أنّهُ يُعْجِبُنِي أنْ أخْرُجَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إذا خَرَجَ، وَأدْخُلَ مَعَهُ إذَا دَخَلَ، وَقَد احْتبَسْتُ بِمَا تَرَى، تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أبَا طَلْحَةَ مَا أجِدُ الذي كُنْتُ أجِدُ، انْطَلِقْ، فانطَلَقْنَا، وَضَرَبَهَا المَخَاضُ حِينَ قَدِمَا فَوَلَدَتْ غُلاماً. فَقَالَتْ لِي أُمِّي: يَا أنَسُ لا يُرْضِعُهُ أحَدٌ حَتَّىٰ تَغْدُوَ بِهِ عَلَىٰ رَسُولِ ﷺ، فَلَمَّا أصْبَحَ احْتَمَلْتُه فَانْطَلَقْتُ بِهِ إلَىٰ رَسُولِ الله ﷺ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
غريب الحديث:
أعَرّستم الليلة؟: أعرس الرجل: دخل بامرأته عند بنائه بها.
تلطخت: كناية عن التلوث بالجماع.           لا يطرقها طروقاً: لا يأتيها ليلاً.
 هداية الحديث:
1) علىٰ النساء اليوم اتخاذ القدوات من الصحابيات رضي الله عنهنّ في صبرهن؛ كأم سليم رضي الله عنها.  
2) من صبر واحتسب عند المصيبة أبدله الله عز وجل خيراً مما أصابه في نفسه وأهله.
21/45 ــ وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ:
"لَيْسَ الشدِيدُ بالصُّرَعةِ، إنَّمَا الشَّديدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عَنْدَ الْغَضَبِ". (مُتَّفَقٌ عَلَيْه.)
(وَالصُّرَعَةُ) بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَأصْلُهُ عِنْدَ الْعَرَبِ مَنْ يَصْرَعُ النَّاسَ كَثِيراً، فيطرحهم ويغلبهم في المصارعة، هذا يقال عنه عند الناس: إنه شديد وقوي، لكن النبي ﷺ يقول: ليس هذا الشديد حقيقة.
22/46 ــ وعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَد رضي الله عنه قَالَ: "كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَجُلان يَسْتَبَّانِ، وَأحَدُهُمَا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَانْتَفَخَتْ أوْدَاجُهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ :
"إنِّي لأعْلَمُ كَلمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أعُوذُ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ عنْهُ مَا يَجِدُ". فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "تَعَوَّذْ بالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ".  مُتَّفَقٌ عَلَيْه.

Thursday, 12 December 2024

قراءة في رياض الصالحين - ح 4-5 - تتمة: باب الصبر

   
سورة الكهف
التفسير  – ح 2
سبحانه وتعالى له الحمد كله
وهو يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتيمها


التفسير :
قوله تعالى:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ } (١)
بدأت السورة – وأربع سور معها مثلها- بحمد الله، الإله الواحد الخالق القهار، إنما كان الحمد مقصورا في الحقيقة على الله تبارك وتعالى، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه، ومرجعه إليه إذ هو الخالق لكل شيء، وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم، فهو في الحقيقة حمد لله، لأنه سبحانه هو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم عليه.
هو الرب الإله المحمود في الدنيا والآخرة.. المحمود قبل أن يَخْلِق وبعد ما يَخْلِق، وبعد إفناء الخلق وبعد بعثهم
(وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص-٧٠).
عن رسول الله ﷺ :
(أحب الكلام إلى الله تعالى أربع لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)،
وفي الحديث أيضا عن رسول الله ﷺ: (فإذا قالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يقولُ اللَّهُ: حمِدَني عبدي، فإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يقولُ اللَّهُ: أثنى عليَّ عَبدي.) (رواه مسلم).
والحمد باق إلى يوم الدين ، وفي الصحيحين: أن النبي ﷺ لما ذكر الشفاعة قال:
« فأخِرُّ ساجِدًا فأحمَدُ ربِّي بمحامِدَ يفتحُها عليَّ لا أُحصيها الآنَ» (مسلم) ، وعنه ﷺ أنه يبعث حامل لواء الحمد، (أنا حَبيبُ اللهِ ولا فَخرَ وأنا حامِلُ لِواءِ الحَمدِ يومَ القيامَةِ ولا فخر) ( رواه الألباني)
فهو تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتيمها، الحمد لله، كلمةُ مباركة، وهي ثناء في دعاء، ودعاء في ثناء. تجري على الألسنة بسهولة ويسر.
وهذا من فضل الله على عباده. أن الكلمة التي اختارها الله فاتحةً لكتابه العزيز، لأن أسرارها وكنوزها عظيمة، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة ؛ ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد ﷺ، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض؛ إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، بيِّنا واضحا جليا نذيرا للكافرين وبشيرا للمؤمنين؛ ولهذا قال:
(وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ } أي : لم يجعل فيه إعوجاجا ولا زيغا ولا ميلا بل جعله معتدلا مستقيما.
وقد بين بعض المفسرين الحكمة في افتتاح بعض السور بلفظ الحمد دون المدح أو الشكر فقال ما ملخصه: «أعلم أن المدح أعم من الحمد، وأن الحمد أعم من الشكر، أما بيان أن المدح أعم من الحمد، فلأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، فقد يمدح الرجل لعقله، ويمدح اللؤلؤ لحسن شكله.
وأما الحمد فإنه لا يحصل إلا للفاعل المختار، على ما يصدر منه من الإنعام، فثبت أن المدح أعم من الحمد.
وأما بيان أن الحمد أعم من الشكر، فلأن الحمد عبارة عن تعظيم الفاعل لأجل ما صدر عنه من الإنعام، سواء أكان ذلك الإنعام واصلا إليك أم إلى غيرك، وأما الشكر فهو عبارة عن تعظيمه لأجل إنعام وصل إليك وحدك، فثبت أن الحمد أعم من الشكر.
وكان قوله
(الْحَمْدُ لِلَّهِ) تصريحا بأن المؤثر في وجود العالم هو الفاعل المختار، الذي وصلت نعمه إلى جميع خلقه، لا إلى بعضهم.
وقوله: (الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً.)
بيان للأسباب التي توجب على الناس أن يجعلوا حمدهم وعبادتهم لله تبارك وتعالى وحده، إذ الوصف بالموصول، يشعر بعلية ما في حيز الصلة لما قبله.
والعِوج- بكسر العين
-( وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ } أكثر ما يكون استعمالا في المعاني، تقول، هذا كلام لا عوج فيه، أى: لا ميل فيه.
أما العَوج: - بفتح العين- فأكثر ما يكون استعمالا في الأعيان الأشياء، تقول: هذا حائط فيه عَوج.
قد تقدم في أول التفسير أنه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتيمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة؛ ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم ﷺ، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض ؛ إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور ، حيث جعله كتابا مستقيما لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم ، بيِّنا واضحا جليا نذيرا للكافرين وبشيرا للمؤمنين؛ ولهذا قال:
( وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ } أي: لم يجعل فيه اعوجاجا ولا زيغا ولا ميلا بل جعله معتدلا مستقيما.
﴿ قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾(  ٢) ، ولهذا قال : { قَيِّمًا } أي: مستقيما .
{لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ} أي: لمن خالفه وكذبه ولم يؤمن به، ينذره بأسا شديدا، عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الآخرة {مِّن لَّدُنْهُ} أي: من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد .
{ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ} أي: بهذا القرآن الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح يبشر هؤلاء { أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا} أي مثوبة عند الله جميلة، ويبشر المؤمنين الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا}  أي مثوبة عند الله جميلة
﴿ مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾( ٣)، أي: في ثوابهم عند الله ماكثين فيه – أي في الجنة- لا يحيدون عنه، خالدين فيه { أَبَدًا } دائما لا زوال له ولا انقضاء،  لا يزول عنهم، ولا يزولون عنه، بل نعيمهم في كل وقت متزايد، وفي ذكر التبشير ما يقتضي ذكر الأعمال الموجبة للمبشر به، وهو أن هذا القرآن قد اشتمل على كل عمل صالح، موصل لما تستبشر به النفوس، وتفرح به الأرواح.
﴿ وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾( ٤ ) ،ينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا وهم اليهود، قالوا عزير ابن الله ، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، وقريش قالت الملائكة بنات الله .
فالإنذار في أول السورة عام، وهذا خاص فيمن قال لله ولد .

﴿ مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ ( ٥ )
﴿ مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ " من " صلة ، أي ما لهم بذلك القول علم؛ لأنهم مقلدة قالوه بغير دليل  ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ ۚ ﴾  أي أسلافهم .
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ كلمة نصب على البيان، أي كبرت تلك الكلمة كلمة .
أو عظمت كلمة ؛ يعني قولهم اتخذ الله ولدا، يقال: كبر الشيء إذا عظم وكبر الرجل إذا أسن .

(تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ۚ) في موضع الصفة .﴿إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾أي ما يقولون إلا كذبا .
لا علم منهم، ولا علم من آبائهم الذين قلدوهم واتبعوهم، بل إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس
{ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} أي: عظمت شناعتها واشتدت عقوبتها، وأي شناعة أعظم من وصفه بالاتخاذ للولد الذي يقتضي نقصه، ومشاركة غيره له في خصائص الربوبية والإلهية، والكذب عليه؟ {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ..} (الأعراف ٣٧) ولهذا قال هنا: {إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} أي: كذبا محضا ما فيه من الصدق شيء.
وتأمل كيف أبطل هذا القول بالتدريج، والانتقال من شيء إلى أبطل منه، فأخبر أولا: أنه
{ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ} والقول على الله بلا علم، لا شك في منعه وبطلانه، ثم أخبر ثانيا، أنه قول قبيح شنيع فقال: { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } ثم ذكر ثالثا مرتبته من القبح، وهو: الكذب المنافي للصدق.
قوله تعالى:
{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا } (٦)
ولما كان النبي ﷺ حريصا على هداية الخلق، ساعيا في ذلك أعظم السعي، فكان ﷺ يفرح ويسر بهداية المهتدين، ويحزن ويأسف على المكذبين الضالين، شفقة منه ﷺ عليهم، ورحمة بهم، أرشده الله أن لا يشغل نفسه بالأسف على هؤلاء، الذين لا يؤمنون بهذا القرآن، كما قال في الآية الأخرى:
{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}  (الشعراء  ٣)، وقال { فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } ( فاطر -٨ )، وهنا قال { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} أي: مهلكها، غما وأسفا عليهم، وذلك أن أجرك قد وجب على الله، وهؤلاء لو علم الله فيهم خيرا لهداهم، ولكنه علم أنهم لا يصلحون إلا للنار، فلذلك خذلهم، فلم يهتدوا، فإشغالك نفسك غما وأسفا عليهم، ليس فيه فائدة لك.
وفي هذه الآية ونحوها عبرة، فإن المأمور بدعاء الخلق إلى الله، عليه التبليغ والسعي بكل سبب يوصل إلى الهداية، وسد طرق الضلال والغواية بغاية ما يمكنه، مع التوكل على الله في ذلك، فإن اهتدوا فبها ونعمت، وإلا فلا يحزن ولا يأسف، فإن ذلك مضعف للنفس، هادم للقوى، ليس فيه فائدة، بل يمضي على فعله الذي كلف به وتوجه إليه، وما عدا ذلك، فهو خارج عن قدرته، وإذا كان النبي ﷺ يقول الله له:
{ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } [القصص- ٥٦]. وموسى عليه السلام يقول: { قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ } (المائدة ٢٥)، فمن عداهم من باب أولى وأحرى، قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ } (٢٢سورة الغاشية) .
وقوله تعالى:
{ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (٧)
ثم أخبر تعالى أنه جعل جميع ما على وجه الأرض، من مآكل لذيذة، ومشارب، ومساكن طيبة، وأشجار، وأنهار، وزروع، وثمار، ومناظر بهيجة، ورياض أنيقة، وأصوات شجية، وصور مليحة، وذهب وفضة، وخيل وإبل ونحوها، الجميع جعله الله زينة لهذه الدار، دارا فانية مزينة بزينة زائلة . وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار ، فقال : { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}
عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كيفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فإنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ. وفي روايةٍ: لِيَنْظُرَ كيفَ تَعْمَلُونَ." (صحيح مسلم)
وقال العليِّ الكبير: { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } أي: أخلصهم وأصوبهم عملا، ومع ذلك سيجعل الله جميع هذه المذكورات، فانية مضمحلة، وزائلة منقضية.
وقوله تعالى: { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا } (٨)
وستعود الأرض صعيدا جرزا قد ذهبت لذاتها، وانقطعت أنهارها، واندرست أثارها، وزال نعيمها، هذه حقيقة الدنيا، قد جلاها الله لنا كأنها
رأي عين، وحذرنا من الاغترار بها، ورغبنا في دار يدوم نعيمها، ويسعد مقيمها، كل ذلك رحمة بنا، فاغتر بزخرف الدنيا وزينتها، من نظر إلى ظاهر الدنيا، دون باطنها، فصحبوا الدنيا صحبة البهائم، وتمتعوا بها تمتع السوائم، لا ينظرون في حق ربهم، ولا يهتمون لمعرفته، بل همهم تناول الشهوات، من أي وجه حصلت، وعلى أي حالة اتفقت، فهؤلاء إذا حضر أحدهم الموت، قلق لخراب ذاته، وفوات لذاته، لا لما قدمت يداه من التفريط والسيئات.
وأما من نظر إلى باطن الدنيا، وعلم المقصود منها ومنه، فإنه يتناول منها، ما يستعين به على ما خلق له، وانتهز الفرصة في عمره الشريف، فجعل الدنيا منزل عبور، لا محل حبور، وشقة سفر، لا منزل إقامة، فبذل جهده في معرفة ربه، وتنفيذ أوامره، وإحسان العمل، فهذا بأحسن المنازل عند الله، وهو حقيق منه بكل كرامة ونعيم، وسرور وتكريم.


Tuesday, 12 December 2023

قراءة في أحاديث رياض الصالحين ح11 التيامن- مخالفة الطريق آداب الطعام

قراءة أحاديث من كتاب رياض الصالحين-ح ١١

٩٨- باب استحباب الذهاب إلى العيدوالحج....

٩٩- باب تقديم اليمين في كل ما هو من باب التكريم

 ١٠٠-كتاب:أدب الطعام، باب التسمية في أوله والحمد آخره  


 

98  - باب استحباب الذهاب إلى العيد وعيادة المريض والحج والغزو والجنازة ونحوها من طريق والرجوع من طريق آخر لتكثير مواضع العبادة.

719 - عن جابر رضي الله عنه‏:‏ "كانَ النبيُّ إذَا كانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ." (‏رواه البخاري‏)‏‏‏‏.‏

720- وعن ابن عمر رضي الله عنهما:" أنﷺ كانَ يَخْرُجُ مِن طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِن طَرِيقِ المُعَرَّسِ، وإذَا دَخَلَ مَكَّةَ، دَخَلَ مِنَ الثَّنِيَّةِ العُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى".‏ ‏‏‏(‏متفق عليه‏)‏.‏

المُعَّرس: مكان معروف على طريق مكة المكرمة عند ذي الحليفة.

خالف الطريق: ذهب لصلاة العيد من طريق، ورجع من طريق آخر. وهذا الحديث يدل على استحباب مخالفة الطريق اقتداءً بالرسول ﷺ.

وقد كان النبي عند ذهابه في يوم العيد إلى صلاة العيد يذهب من طريق، ويرجع من طريق آخر، وكذلك عند الذهاب إلى المُصلَّى، واختلفوا في حكمة هذه السنة، فقيل: ليقابل في الطريق أناسًا آخرين، فيأنس المؤمنون ويغيظ به المنافقين، وليقابل أعداد أكبر من المساكين: فيتصدق عليهم. وقيل: ليشهد له المكان فتضاعف الحسنات.

99   - باب استحباب تقديم اليمين في كل ماهو من باب التكريم كالوضوء والغُسل والتيمم، ولبس الثوب والنعل والخف والسراويل ودخول المسجد، والسواك، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، والأكل والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، والأخذ والعطاء، وغير ذك مما هو في معناه‏.‏ ويستحب تقديم اليسار في ضد ذلك، كالامتخاط والبصاق عن اليسار، ودخول الخلاء، والخروج من المسجد، وخلع الخف والنعل والسراويل والثوب، والإستنجاء وفعل المستقذرات وأشباه ذلك‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) ‏(لحاقة ١٩‏)‏‏‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ( فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨)‏ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ) ( الواقعة ٩)

721 - عن عائشة رضي الله عنها قالت‏: "كانَ النبيُّ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ، في تَنَعُّلِهِ، وتَرَجُّلِهِ، وطُهُورِهِ، وفي شَأْنِهِ كُلِّهِ.‏".‏(‏متفق عليه‏)‏‏.‏

722 - وعنها رضي الله عنها، أنَّها قالت: "كانت يَدُ رسولِ اللهِ اليُمْنى لطُهورِهِ ولطَعامِهِ، وكانتِ اليُسْرى لخَلائِهِ، وما كان مِن أذًى" (حديث صحيح، ‏رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح‏)‏‏.‏

723 - عن أم عطية رضي الله عنها أن النبي ﷺ، قال لهن في غسل ابنته زينب رضي الله عنها‏:‏ ‏"‏ابْدأنَ بِميامِنِها ومواضِع الوُضوءِ مِنها‏"‏ ‏‏(‏متفق عليه‏)‏‏ ‏ ‏.‏

 724 - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال‏:‏ إذا انتعلَ أحدُكُم فليبدأ باليمينِ ، وإذا نزعَ فليبدأ بالشِّمالِ، لتَكُنِ اليمينُ أوَّلَهُما ينتعِلُ، وآخرَهُما ينزعُ"‏ (‏متفق عليه‏)‏‏

725 - وعن حفصة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ:  "كان يجعَلُ يمينَهُ لطعامِهِ وشرابِهِ وثيابِهِ، ويجعَلُ يَسارَهُ لما سوى ذلك."‏‏(‏رواه أبو داود والترمذي وغيره‏).‏

726 -عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال‏:‏ “إذا لبستم،وإذا توضأتم، فابدؤا بأيمانكم (حديث صحيح،-‏‏‏رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح‏)‏‏.‏

727 - عن أنس رضي الله عنه:" أن رسول الله ﷺ أَتَى مِنًى، فأتَى الجَمْرَةَ فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قالَ لِلْحَلَّاقِ: خُذْ، وَأَشَارَ إلى جَانِبِهِ الأيْمَنِ، ثُمَّ الأيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ" ‏ (‏متفق عليه‏)‏‏‏. وفي رواية: قالَ: "فَبَدَأَ بالشِّقِّ الأيْمَنِ، فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ وَالشَّعَرَتَيْنِ بيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ قالَ بالأيْسَرِ، فَصَنَعَ به مِثْلَ ذلكَ، ثُمَّ قالَ: هَا هُنَا أَبُو طَلْحَةَ؟ فَدَفَعَهُ إلى أَبِي طَلْحَةَ."

============================ 

1-                   كتاب أدب الطعام

100- باب التسمية في أوله والحمد في آخره.

727- وعن عُمَرَ بنِ أبي سَلمة رضي الله عنهما ، قَالَ : قَالَ لي رسول الله : " سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينكَ، وكُلْ مِمَّا يَليكَ" (متفقٌ عَلَيْهِ ).

728- وعن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قَالَ رسول الله  :" إِذَا أكَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ تَعَالَى، فإنْ نَسِيَ أنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى في أوَّلِهِ، فَلْيَقُلْ: بسم اللهِ أوَّلَهُ وَآخِرَهُ" (رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح).

729- وعن جابرٍ رضي الله عن ، قَالَ : سَمِعْتُ رسول الله ، يقولُ : " إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ، وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ لأَصْحَابِهِ: لاَ مَبِيتَ لَكُمْ وَلاَ عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ تَعَالَى عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ؛ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ تَعَالَى عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ : أدْرَكْتُم المَبيتَ وَالعَشَاءَ" رواه مسلم .

730- وعن حُذَيْفَةَ رضي الله عنه ، قَالَ : كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ طَعَاماً ، لَمْ نَضَعْ أيدِينَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ الله فَيَضَعَ يَدَهُ ، وَإنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَاماً ، فَجَاءتْ جَارِيَةٌ كَأنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا في الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رسولُ الله بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيّ كأنَّمَا يُدْفَعُ، فَأخَذَ بِيَدهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أنْ لا يُذْكَرَ اسمُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِ ، وَإنَّهُ جَاءَ بهذِهِ الجارية لِيَسْتَحِلَّ بِهَا ، فأَخَذْتُ بِيَدِهَا ، فَجَاءَ بهذا الأعرَابيّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ ، فَأخذْتُ بِيَدِهِ ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إنَّ يَدَهُ في يَدِي مَعَ يَدَيْهِمَا " ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى وَأكَلَ. رواه مسلم .

" يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ": أي ليتمكن الشيطان من أكله لأنه لم يذكر اسم الله عليه، فهذه الجارية الصغيرة لم تسم الله لصغر سنها، والأعرابي لجهله.

"إنَّ يَدَهُ في يَدِي مَعَ يَدَيْهِمَا" : أي أن يد الشيطان كانت مع يد الجارية والأعرابي فلما أمسك النبي يديهما أمسك يد الشيطان أيضا.

731- وعن أُمَيَّةَ بن مَخْشِيٍّ الصحابيّ ِرضي الله عن ، قَالَ : "كَانَ رسولُ الله جَالِسَاً، وَرَجُلٌ يَأكُلُ، فَلَمْ يُسَمِّ اللهَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلاَّ لُقْمَةٌ، فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ ، قَالَ : "بِسْمِ اللهِ أوَّلَهُ وَآخِرَهُ فَضَحِكَ النَّبيّ ، ثُمَّ قَالَ : (مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسمَ اللهِ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ) رواه أَبُو داود والنسائي .

732- وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كَانَ رسولُ الله يَأكُلُ طَعَاماً في سِتَّةٍ مِنْ أصْحَابِهِ، فَجَاءَ أعْرَابِيٌّ، فَأكَلَهُ بلُقْمَتَيْنِ. فَقَالَ رسولُ الله " أما إنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفَاكُمْ" (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح) .

 قوله: (أما إنَّهُ لَوْ سَمَّى لَكَفَاكُمْ)، لكنه لم يُسَمِّ فأكل الباقي كله بلقمتين، ولم يكفه، وهذا يدل على أن الإنسان إذا لم يُسَمِّ نُزِعَت البركة من طعامه، فلم يعد يكفيه، لم يشعر بالشبع.ولذلك وصى رسول الله المسلم بقول: "سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينكَ" لتحل البركة في طعامه.

733- وعن أَبي أُمَامَة رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ، قَالَ: ( الْحَمْدُ للهِ حَمداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَاركَاً فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِيٍّ، وَلاَ مُوَدَّعٍ ، وَلاَ مُسْتَغْنَىً عَنْهُ رَبَّنَا) (رواه البخاري ).

أي: ربُّنا غيرُ مَكفيٍّ ولا مُودَّعٍ ولا مُستغنًى عنه.

734- وعن معاذِ بن أنسٍ رضي الله عنه ، قَالَ : قَالَ رسولُ اللهِ ﷺ: (مَنْ أكَلَ طَعَامَاً، فَقال: الحَمْدُ للهِ الَّذِي أطْعَمَنِي هَذَا، وَرَزَقنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلاَ قُوَّةٍ ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: حديث حسن) . .