Monday, 15 November 2021

تفسير سورة الكوثر نهر أعطاه الله للنبيه المصطفى

   
 

 

التعريف بالسورة :

-سورة مدنية ، وقيل مكية والأول أصح- أياتها ثلاث آيات- من المفصل – من الجزء (٣٠) الحزب ( ٦٠) الربع (٨) - ترتيبها بالمصحف الثامنة بعد المائة – نزلت بعد سورة العاديات-

بدأت باسلوب توكيد { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ }، وهي أقصر سورة في القرآن - لم يذكر لفظ الجلالة فيها - الكوثر هو أحد أنهار الجنة .

محور مواضيع السورة:

السورة في فضل الله تعالى على نبيه ، وبيان حبه له وتعظيم قدره إذ أعطاه ما لم يعط نبي قبله، من الفضل الدائم، نهر في الجنة خالدا بخلودها.

 قال تعالى : { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ }، ودعاه لإقامة الصلاة المفروضة عليه ونحر النسك تقربا لله تعالى وشكرا له، قال تعالى : (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ }

ولمواساة الله لنبيه الكريم في الدنيا، ختمت السورة ببشارة له ﷺ بخزي عدوه المبغض له ،  ووصفته بأنه سيقطع ذكره من خير الدنيا والآخرة .جزاء له على ما عير به الرسول الكريم بموت أولاده الذكور. قال تعالى:  {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ }

سبب النزول:

1- قال ابن عباس نزلت في العاص بن وائل السهمي وذلك أنه رأى رسول الله يخرج من المسجد وهو يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا وأناس من صناديد قريش في المسجد جلوس فلما دخل العاص قالوا له من الذي كنت تحدث قال ذاك الأبتر يعني النبي" صلوات الله وسلامه عليه" وكان قد توفي قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله وكان من خديجة وكانوا يسمون من ليس له ابن {أبتر} فانزل الله تعالى هذه السورة .

2- حدثني يزيد بن رومان قال : كان العاص بن وائل السهمي اذا ذكر رسول الله قال:  دعوه فإنما هو رجل أبتر لا عقب له لو هلك انقطع ذكره واسترحتم منه ، فأنزل الله تعالى في ذلك { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } إلى آخر السورة ، وقال عطاء عن ابن عباس كان العاص بن وائل يمر بمحمد ويقول : إني لأشنأك، وإنك لأبتر من الرجال ، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ } من خير الدنيا والآخرة .

العاص بن وائل السهمي:

أولاده: عمرو بن العاص، وهشام بن العاص، وقد أسلم قبل أخيه، وحبسه أبوه العاص، ومنع عنه الطعام، وكانت زوجة أخيه تأتيه بالطعام، حتى هرب وهاجر إلى الحبشة مع من هاجر.

عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلا قينا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث، قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيتك، فأنزل الله: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا *كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا } ( مريم ٧٧-٨٠)

 

التفسير:

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ( ١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ( ٢ ) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ( ٣ )

قال الإمام أحمد: عن أنس بن مالك قال:أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة، فرفع رأسه مبتسما، إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ: « إنه أنـزلت عليَّ آنفا سورة » . فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ } ، قال: « هل تدرون ما الكوثر؟ » ، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: « فإنَّه نَهْرٌ وعَدَنِيهِ رَبِّي عزَّ وجلَّ، عليه خَيْرٌ كَثِيرٌ، هو حَوْضٌ تَرِدُ عليه أُمَّتي يَومَ القِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فيُخْتَلَجُ العَبْدُ منهمْ، فأقُولُ: رَبِّ، إنَّه مِن أُمَّتي فيَقولُ: ما تَدْرِي ما أحْدَثَتْ بَعْدَكَ.» (رواه مسلم)

وقد استدل به كثير من القراء على أن هذه السورة مدنية، وكثير من الفقهاء وعلى أن البسملة من السورة، وأنها منـزلة معها.

 

فأما قوله تعالى: { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) فقد تقدم في هذا الحديث أنه نهر في الجنة. وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى، عن أنس فقال:حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت، عن أنس أنه قرأ هذه الآية ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قال:قال رسول الله ﷺ: « أعطيتُ الكوثر، فإذا هو نهر يجري، ولم يُشق شقًا، وإذا حافتاه قباب اللؤلؤ، فضربت بيدي في تربته، فإذا مسكه ذَفَرة، وإذا حصاه اللؤلؤ »

وقال الإمام أحمد أيضا: عن أنس قال:قال رسول الله ﷺ: « دخلت الجنة فإذا أنا بنهر، حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما يجري فيه الماء، فإذا مسك أذفر. قلت:ما هذا يا جبريل؟ قال:هذا الكوثر الذي أعطاكه الله، عز وجل».

ورواه البخاري في صحيحه، ومسلم، من حديث شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال:لما عُرجَ بالنبي ﷺ إلى السماء قال: « أتيتُ على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف فقلت:ما هذا يا جبريل؟ قال:هذا الكوثر » . وهذا لفظ البخاري رحمه الله.

وقال ابن جرير:عن ابن شهاب، عن أبيه، عن أنس قال:سُئل رسول الله ﷺ عن الكوثر، فقال: « هو نهر أعطانيه الله في الجنة، ترابه مسك، [ ماؤه ] أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، ترده طير أعناقها مثل أعناق الجُزُر » . فقال أبو بكر:يا رسول الله، إنها لناعمة؟ قال: « أكلها أنعم منها»  .

 

وقال البخاري:حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عائشة قال:سألتها عن قوله تعالى: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قالت:نهر [ عظيم ] أعطيه نبيكم ﷺ، شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم.

وعن شقيق أو مسروق قال:قلت لعائشة:يا أم المؤمنين، حدثيني عن الكوثر. قالت: "نهر في بطنان الجنة. قلت:وما بطنان الجنة؟ قالت:وسطها، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه المسك، وحصاؤه اللؤلؤ والياقوت."

وهذا التفسير يعم النهر وغيره؛  لأن الكوثر من الكثرة، وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر كما قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد،وأبي الحسن البصري. حتى قال مجاهد: هو الخير الكثير في الدنيا والآخرة.

وقال عكرمة:هو النبوة والقرآن، وثواب الآخرة.

وقد صح عن ابن عباس أنه فسره بالنهر أيضا، فقال ابن جرير: عن ابن عباس قال:الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل.

 

وقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } أي:كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهرُ الذي تقدم صفته - فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونَحْرَك، فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له. كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [ الأنعام١٦٢-١٦٣)

وفي النحر قيل:

عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: يعني بذلك نحر البُدْن ونحوها. وكذا قال قتادة، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، والربيع، وعطاء الخراساني، والحكم، وإسماعيل بن أبي خالد، وغير واحد من السلف. وهذا بخلاف ما كان المشركون عليه من السجود لغير الله، والذبح على غير اسمه، كما قال تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } الآية (الأنعام ١٢١) .

وقيل:المراد بقوله: {وَانْحَرْ } وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر. يروى هذا عن علي، ولا يصح. وعن الشعبي مثله.

وعن أبي جعفر الباقر: {وَانْحَرْ } يعني:ارفع اليدين عند افتتاح الصلاة.

وقيل: {وَانْحَرْ } أي:استقبل بنحرك القبلة. ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير.

وقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثا منكرا جدا فقال:حدثنا وهب بن إبراهيم الفامي - سنة خمس وخمسين ومائتين- حدثنا إسرائيل بن حاتم المروزي، حدثنا مقاتل بن حيان، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي بن أبي طالب قال:لما نـزلت هذه السورة على النبي ﷺ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } قال رسول الله: « يا جبريل، ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ » فقال:ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك  إذا تحرمت للصلاة، ارفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع، وإن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة." وهكذا رواه الحاكم في المستدرك، من حديث إسرائيل بن حاتم، به.

وعن عطاء الخراساني: {وَانْحَرْ }  أي: ارفع صلبك بعد الركوع واعتدل، وأبرز نحرك، يعني به الاعتدال. رواه ابن أبي حاتم.

[ كل هذه الأقوال غريبة جدا ] والصحيح القول الأول، أن المراد بالنحر ذبح المناسك؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ يصلي العيد ثم ينحر نسكه ويقول: « مَن صَلَّى صَلَاتَنَا، ونَسَكَ نُسُكَنَا، فقَدْ أصَابَ النُّسُكَ، ومَن نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فإنَّه قَبْلَ الصَّلَاةِ ولَا نُسُكَ له» .( البخاري)، فقام أبو بردة بن نيار فقال:يا رسول الله، إني نَسكتُ شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه اللحم. قال: « شاتك شاة لحم » . قال:فإن عندي عناقا هي أحب إليَّ من شاتين، أفتجزئ عني؟ قال: « تجزئك، ولا تجزئ أحدا بعدك » .والعناق: ما دون السنة من العمر

قال أبو جعفر بن جرير:والصواب قول من قال:معنى ذلك:فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان؛ شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة والخير، الذي لا كِفَاء له، وخصك به.

وقوله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ } أي:إن مبغضك - يا محمد- ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين، هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكْرُه.

قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة:نـزلت في العاص بن وائل، كما سبق.

وقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ يقول:دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره. فأنـزل الله هذه السورة.

 

وقال البزار:حدثنا زياد بن يحيى الحَسَّاني، حدثنا بن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت سيدهم ألا ترى إلى هذا المُصَنْبر المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة وأهل السقاية؟ فقال: أنتم خير منه. قال:فنـزلت: { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ } هكذا رواه البزار وهو إسناد صحيح.

وعن عطاء:نـزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن رسول الله ﷺ فذهب أبو لهب إلى المشركين وقال:بُتِرَ محمد الليلة. فأنـزل الله في ذلك: { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ }

وعن ابن عباس:نـزلت في أبي جهل. وعنه: {إِنَّ شَانِئَكَ}  يعني:عدوك. وهذا يَعُمُّ جميعَ من اتصفَ بذلك ممن ذكر، وغيرهم.

وقال عكرمة:الأبتر:الفرد. وقال السُّدِّي:كانوا إذا مات ذكورُ الرجل قالوا: بُتر. فلما مات أبناء رسول الله ﷺ قالوا:بتر محمد. فأنـزل الله: { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ }

وهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره.

 فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه ينقطع ذكره، وحاشا وكلا!  بل قد أبقى الله ذكره على رءوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرا على دوام الآباد، إلى يوم الحشر والمعاد صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد.

 

آخر تفسير سورة « الكوثر » ، ولله الحمد والمنة.

 

تفسير سورة الماعون الإيمان يهذب نفس المؤمن قيرق للمسكين

  
 

 

التعريف بالسورة:

-سورة مكية - من المفصل  - عدد آياتها (٧) آيات -ترتيبها بالمصحف السابعة بعد المئة – من الجزء (٣٠) الحزب ( ٦٠) الربع (٨)

نزلت بعد سورة التكاثر- بدأت بأسلوب استفهام { أرأيت الذي يكذب بالدين} - لم يذكر لفظ الجلالة في السورة .

سبب النزول

قوله تعالى (أَرَأَيتَ الَّذي يُكَذِّبُ بِالدينِ) قال مقاتل والكلبي: نزلت في العاص بن وائل السهمي وقال ابن جريج: كان أبو سفيان بن حرب ينحر كل أسبوع جزورين فأتاه يتيم فسأله شيئاً فقرعه بعصا فأنزل الله تعالى {أَرأَيتَ الَّذي يُكَذِّبُ بِالدينِ فَذَلِكَ الَّذي يَدُعُّ اليَتيمَ}.

محور مواضيع السورة:

السورة في موضوعين مهمين رئيسيين: منع الخير عن المحتاجين، والثاني؛ هو الغفلة عن الصلاة

هل للموضوعين صلة ببعض ليكونوا في سورة قصيرة معا؟

الموضوع الأول: في فريق من الناس: الذين يمنعون الصدقات عن المحتاجين، وهم يمتلكون، حتى لو كان المحتاج ضعيفا جدا كاليتيم، فهم لا يعطون اليتامى حقوقهم بل ويزجرونهم،  فيبخلون عن إطعام الطعام، فيقول الله تعالى فيهم : {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ {1} فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ {2} وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}

والموضوع الثاني:  هو في فئة من المصلين  اللاهين عن صلاتهم ، والذين إن صلّوا لم يرجوا ثوابا وإن تركوا الصلاة  لم يخشوا عقابا، وهؤلاء هم المنافقون الذين يؤخرون الصلاة عن أوقاتها تهاوناً ، ومنهم الذين يتركون الصلاة سراً ويصلونها علانية، ويمنعون عن الناس الزكاة وكل خير .فتوعدتهم السورة بالويل والهلاك وشنعت عليهم أعظم تشنيع ، قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ }

وربط بين الموضوعين ببيان أن ترك الصلاة هو الحاث، والمسبب للبخل ومنع الصدقات، ولو كانت أقل القليل.

 

التفسير:

يقول تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ } أرأيت - يا محمد- الذي يكذب بالدين؟ وهو: المعاد والجزاء والثواب، {فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ } أي: هو الذي يقهر اليتيم ويظلمه حقه، ولا يطعمه ولا يحسن إليه، { وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } كما قال تعالى: ﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴿١٧﴾‏ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿١٨﴾‏ (الفجر) يعني: الفقير الذي لا شيء له يقوم بأوده وكفايته.

ثم قال: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ }  قال ابن عباس، وغيره:يعني المنافقين، الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر.

ولهذا قال: {لِلْمُصَلِّينَ} أي:الذين هم من أهل الصلاة وقد التزموا بها، ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية، كما قاله ابن عباس، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعا، فيخرجها عن وقتها بالكلية، كما قاله مسروق.

وقال عطاء بن دينار:والحمد لله الذي قال: {عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} ولم يقل:في صلاتهم ساهون. وهذا السهو إما أن يكون:

وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائما أو غالبا.

وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به.

وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل هذا كله،

ولكل من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية. ومن اتصف بجميع ذلك، فقد تم نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي.

 كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللهﷺ قال: « تلك صلاةُ المنافقين, تلك صلاةُ المنافقين: تلك صلاةُ المنافقين يجلسُ أحدُهم حتى إذا اصفرَّتِ الشمسُ فكانت بين قرْنَيْ شيطانٍ أو على قرنيِ الشيطانِ قام فنقرَ أربعًا لا يذكرُ اللهَ فيها إلا قليلاً.» ( صحيح أبي داوود)، فهذا آخر صلاة العصر التي هي الوسطى، كما ثبت به النص إلى آخر وقتها، وهو وقت كراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب، لم يطمئن ولا خشع فيها أيضا؛ ولهذا قال: «لا يذكرُ اللهَ فيها إلا قليلاً.» .

ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس، لا ابتغاء وجه الله، فهو إذًا لم يصل بالكلية. قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا } ( النساء١٤٢). وقال هاهنا: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ }

وقال الطبراني:حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبدويه البغدادي، حدثني أبي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: « إنَّ في جهنمَ لواديًا تستعيذُ جهنمَ من ذلك الوادي كلَّ يومٍ أربعَ مئةِ مرةٍ، أعد ذلك الوادي للمُرائين من أمةِ محمدٍ ﷺ: لحاملِ كتابِ اللهِ، وللمصدقِ في غيرِ ذاتِ اللهِ، وللحاجِّ إلى بيتِ اللهِ، وللخارجِ في سبيلِ اللهِ» (السلسلة الضعيفة)

وعن عمرو بن مرة قال:كنا جلوسا عند أبي عبيدة فذكروا الرياء، فقال رجل يكنى بأبي يزيد: سمعت عبد الله بن عمرو  يقول: قال رسول الله ﷺ: « مَن سمَّعَ النَّاسَ بعَملِه ؛ سمَّعَ اللهُ بهِ ماسمَّعَ خلقَه، وصغَّرَه وحقَّرَه » ( صحيح الترغيب والترهيب).

ومما يتعلق بقوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} أن من عمل عملا لله فاطلع عليه الناس، فأعجبه ذلك، أن هذا لا يعد رياء،

 والدليل على ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: بسنده عن أبي هريرة قال:كنت أصلي، فدخل علي رجل، فأعجبني ذلك، فذكرته لرسول اللهﷺ، فقال: « كتب لك أجران:أجر السر، وأجر العلانية » .

قال أبو يعلى أيضا:حدثنا محمد بن المثنى بن موسى، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو سِنان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال:قال رجل:يا رسول الله، الرجل يعمل العمل يَسُرُّه، فإذا اطُّلعَ عليه أعجبه. قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « له أجران:أجر السر وأجر العلانية » .

وقد قال أبو جعفر بن جرير:حدثني أبو كُرَيْب، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان النحوي عن جابر الجعفي، حدثني رجل، عن أبي برزة الأسلمي قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نـزلت هذه الآية: ( الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ) قال: « الله أكبر، هذا خير لكم من أن لو أعطي كل رجل منكم مثل جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يَرْجُ خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه » .

فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، وشيخه مبهم لم يُسَم، والله أعلم.

وقال ابن جرير أيضا:حدثني زكريا بن أبان المصري، حدثنا عمرو بن طارق، حدثنا عِكْرمِة بن إبراهيم، حدثني عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص قال:سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن: ( الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ) قال: « هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها » .

وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية، أو صلاتها بعد وقتها شرعا، أو تأخيرها عن أول الوقت [ سهوا حتى ضاع ] الوقت.

وكذا رواه الحافظ أبو يعلى عن شيبان بن فَرُّوخ، عن عكرمة بن إبراهيم، به. ثم رواه عن أبي الربيع، عن جابر، عن عاصم، عن مصعب، عن أبيه موقوفًا وهذا أصح إسنادًا، وقد ضعف البيهقي رفعه، وصحح وقفه، وكذلك الحاكم.

وقوله: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} أي: لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ويستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم. فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القُرُبات أولى وأولى. وقد قال ابن أبي نجيح عن مجاهد:قال علي:الماعون:الزكاة. وكذا رواه السدي، عن أبي صالح، عن علي. وكذا روي من غير وجه عن ابن عمر. وبه يقول محمد بن الحنفية، وسعيد بن جبير، وعِكْرِمة، ومجاهد، وعطاء، وعطية العوفي، والزهري، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن زيد.

وقال الحسن البصري: إن صلى راءى، وإن فاتته لم يأس عليها، ويمنع زكاة ماله وفي لفظ: صدقة ماله.

وقال زيد بن أسلم: هم المنافقون ظهرت الصلاة فصلوها، وضَمنَت الزكاة فمنعوها.

وقال المسعودي بسنده؛ عن أبا العبيدين سأل عبد الله بن مسعود عن الماعون، فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم، من الفأس والقدر ، والدلو، وأشباه ذلك.

وقال ابن جرير: بسنده عن عبد الله بن مسعود قال:كنا أصحاب رسول اللهﷺ نتحدث أن الماعون الدلو، والفأس، والقدر، لا يستغنى عنهن.

وحدثنا خلاد بن أسلم، أخبرنا النضر بن شُمَيْل، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق قال:سمعت سعد بن عياض يحدث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثله

وقال الأعمش، عن إبراهيم، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله أنه سئل عن الماعون، فقال:ما يتعاوره الناس بينهم:الفأس والدلو وشبهه.

وقال ابن جرير:حدثنا عمرو بن علي الفلاس، حدثنا أبو داود –هو الطيالسي- حدثنا أبو عَوانَة، عن عاصم بن بَهْدَلة، عن أبي وائل، عن عبد الله قال:كنا مع نبينا صلى الله عليه وسلم ونحن نقول:الماعون:منع الدلو وأشباه ذلك.

وقد رواه أبو داود والنسائي، عن قتيبة، عن أبي عوانة بإسناده، نحوه ولفظ النسائي عن عبد الله قال:كل معروف صدقة، وكنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاريَّة الدلو والقدر.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله قال:الماعون:العَواري:القدر، والميزان، والدلو.

وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: ( وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) يعني:متاع البيت. وكذا قال مجاهد وإبراهيم النَّخعي، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، وغير واحد:إنها العاريَّة للأمتعة.

وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد عن ابن عباس: ( وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) قال:لم يجئ أهلها بعد.

وقال العوفي عن ابن عباس: ( وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) قال:اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال:يمنعون الزكاة. ومنهم من قال:يمنعون الطاعة. ومنهم من قال:يمنعون العارية. رواه ابن جرير. ثم روي عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن عُلَيَة، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي:الماعون:منع الناس الفأس، والقدر، والدلو.

وقال عكرمة:رأس الماعون زكاة المال، وأدناه.

المنخل والدلو، والإبرة. رواه ابن أبى حاتم.

وهذا الذي قاله عكرمة حسن؛ فإنه يشمل الأقوال كلها، وترجع كلها إلى شيء واحد. وهو ترك المعاونة بمال أو منفعة. ولهذا قال محمد بن كعب: ( وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) قال:المعروف. ولهذا جاء في الحديث: « كل معروف صدقة » .

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري: ( وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) قال: بلسان قريش:المال.

وروى هاهنا حديثا غريبا عجيبا في إسناده ومتنه فقال:

حدثنا أبي، وأبو زُرْعَة قالا حدثنا قيس ابن حفص الدارمي، حدثنا دلهم بن دهثم العجلي، حدثنا عائذ بن ربيعة النَميري، حدثني قرة بن دعموص النميري:أنهم وفدوا على رسول الله ﷺ فقالوا:يا رسول الله، ما تعهد إلينا؟ قال: « لا تمنعون الماعون » . قالوا:يا رسول الله، وما الماعون؟ قال: « في الحَجَر، وفي الحديدة، وفي الماء » . قالوا:فأي حديدة؟ قال: « قدوركم النحاس، وحديد الفأس الذي تمتهنون به » . قالوا:وما الحجر؟ قال: « قدوركم الحجارة » .

غريب جدا، ورفعه منكر، وفي إسناده من لا يعرف، والله أعلم.

وقد ذكر ابنُ الأثير في الصحابة ترجمة « علي النميري » ، فقال:روى ابن قانع بسنده إلى عائذ ابن ربيعة بن قيس النميري، عن علي بن فلان النميري:سمعت رسول الله ﷺيقول: « المسلم أخو المسلم. إذا لقيه حَيَّاه بالسلام، ويرد عليه ما هو خير منه، لا يمنع الماعون » . قلت:يا رسول الله، ما الماعون؟ قال: « الحَجَر، والحديد، وأشباه ذلك » .

 

آخر تفسير سورة " الماعون" .