Wednesday, 4 June 2014

تدبر آيات من القرآن العظيم - الحزب 22 - سورة يونس - أولياء الله



صفات أولياء الله ، وما أعد لهم 

قال تعالى : (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَ‌ىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَ‌ةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) سورة يونس

في هذه الأيات ذكر أولياء الله ، بيان من هم ، وماوعدهم الله عز وجل في الدنيا والآخرة ، جعلنا الله منهم، قال: 

أولاً : وعدهم بـأنهم إذا جاءهم الموت ، وتذكروا من يتركون وراءهم من الأهل والولد بأن تطمئنهم الملائكة بأن (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) قال لا خوف عليهم؛ أي على ذرتكم، لأن الله يتولاهم ،وليس هذا فقط ، بل  (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) على دنياهم التي هم مغادروها تاركون كل ما لهم فيها، فالله تعالى يعوضهم إياه في آخراهم وخير منه،  لأنه وليهم ومولاهم .

ثانياً : من هم أولياء الله ؟ وبم صاروا إلى هذه المرتبة أن يتولاهم الله تعالى ؟ ماذا فعلوا من عظائم أمور الخير حتى  يكون نسبهم إلى الله ، أولياء الله ؟
1ـ جاء تبييان من هم أولياء الله في الآية التي بعدها فسرها بها ، قال عنهم : (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) بالإيمان وتقوى الله صاروا أولياءه تبارك وتعالى .
وما حق ثبوت الإيمان في القلب ؟ حقه أن يجري على اللسان كلمة التوحيد، ينطلق بها كل الأوقات ، ويتبعها  كل أنواع للذكر لمن أدعى الإيمان به
ثم يظهر أثر ذلك على الجوارح ، فتركع وتسجد لربها وخالقها ،وتمتنع عن الطعام والشراب في أوقات معينة طاعة له ،  واليد تعطي لا تبتغي إلا وجهه الكريم ، والرجل تمشي في مرضاته ،وإلى بيوته ،  تمشي في حاجات المسلمين ، وغير ذلك كثير
( وكانوا  يتقون  ) كانوا في حياتهم في الدنيا يتقون ... فما هي التقوي ؟

 لغة: مشتقة من الوقاية وحفظ الشيء مما يؤذيه ويضره – صيانته – الحفظ  -
المعنى الشرعي:

أن تجعل بينك وبين ما حرم الله حاجزا وحاجبا ، وذلك بالإنتهاء عن نواهيه ، فلا يأتيها أبدا ، وكقوله صلى الله عليه وسلم : ( فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه".( مسلم ) ـ في الأمر قال اعملوا منه ما تستطيعون ، أما في النهي فلا ، دعه كلياً

1) الخوف من الجليل ( وهو الله تعالى ) والعمل بالتنزيل ( الكتاب والسنة ) والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل.

فالتقوى هي طاعة الله عز وجل بفعل أوامره والإبتعاد عن نواهيه ، المتقون يعملون بكتاب الله فيحرمون حرامه ويحلون حلاله، المتقون لا يخونون في أمانة، ولايعقون آباءهم ولايقطعون رحمهم ،  ولايؤذون جيرانهم ،  ولايضربون إخوانهم
 المتقون يصلون من قطعهم ويعطون من حرمهم ويعفون عمن ظلمهم
 المتقون لايغتابون ولايكذبون ولا ينافقون، المتقون لايحسدون ولا يراؤون ولا يرابون ولا يرشون ولايقذفون ،المتقون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
 تلك صفات المتقين حقاً الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة خائفون مشفقون، المتقون حقاً هم أهل الفضائل، وصلوا إلى درجة أن يكونوا أولياء الله لأنهم غضو أبصارهم عما حرم الله عليه، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم ولم يتجاوزوها .
عظم الخالق جل شأنه في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فلم يلقوا له بالاَ.
هذه هي صفاتهم ، أجملها الله تعالى بصفتين ( الإيمان ، والتقوى ).
ولكن لكل من هاتين الكلمتين حقوق، من الإخلاص والعمل ؛ حتى لا يكون كل من ادعى أنه مؤمن ،وأنه متقى ولا حاجة له أن يعمل لكي يصل إلى الجنة ، وأنه يكفيه إيمانه ، لا يكتب من أهلها بدعواه إلا أن يجمع بين الإعتقاد الصحيح بقلبه، والعمل باللسان والجوارح، ويظهر أثر ذلك كله على سمته وهيئته .
2ـ نعود لنتعرف من هم  أولياء الله ، فنبحث في السنة : ورد في حديث مرفوع عن ابن عباس قال : قال رجل يا رسول الله من أولياء الله ؟ قال : ( الذين إذا رؤوا ذُكر الله )ـ إذا  رآهم الناس رؤوا على سيماهم الخير والتقوى فتذكروا فذكروا الله
يُعرفون بعلاماتِ الخيرِ والصلاح، وحسن الخاتمة بمجرد رؤيتهم، فرؤيتُهم وهديُهم وسمتهم يذكِّر بالله سبحانه، فـ( أولياء الله الذين  إذا رُءُوا ذُكِرَ اللهُ). الصحيحة ،وفي حديث آخرقال :  ( إنَّ خيارَ عبادِ اللهِ من هذه الأمةِ؛ الذين إذا رُؤوا ذُكرَ الله تعالى، وإنَّ شِرارَ عبادِ اللهِ منْ هذهِ الأمَّة؛ المشَّاؤونَ بالنميمة، المفرِّقون بين الأحبَّة، الباغون للبراء العنت) . السلسلة الصحيحة   
وَوُعاةُ القرآنِ وحفظتُه، هم أهلُ الله وخاصته، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : ( إِنَّ للهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ هُمْ؟! قَالَ: (هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ؛ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ) (سنن ابن ماجه  وصحيح الجامع )، إنهم من خيرِ الناس، ويجبُ أنْ يكونوا خيرَ الناس؛ (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) (صحيح البخاري)
وروَّادُ المساجد، وعمَّارُ بيوتِ اللهِ يُشهَدُ لهم بالخير، فليتَّقوا الله فيما بينهم وبين الله، وليتقِ اللهَ جيرانُ الله، فيما بينهم وبين خلقِ الله، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : "إِنَّ اللهَ لَيُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ جِيرَانِي؟ أَيْنَ جِيرَانِي؟ قَالَ: فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا وَمَنْ يَنْبَغِي أَنْ يُجَاوِرَكَ؟! فَيَقُولُ: أَيْنَ عُمَّارُ الْمَسَاجِدِ) مسند الحارث، والسلسلة الصحيحة.
  
أهل التواضع لله، الذين لا تتكبرون على خلقِ الله، فهم من خالصي أهلِ الله، قَالَ عَوْنٌ -رحمه الله-: (مَنْ أَحْسَنَ اللهُ صُورَتَهُ، وَأَحْسَنَ رِزْقَهُ، وَجَعَلَهُ فِي مَنْصِبٍ صَالِحٍ، ثُمَّ تَوَاضَعَ للهِ، فَهُوَ مِنْ خَالِصِي أَهْلِ اللهِ) حلية الأولياء
، فـكما قال ﷺ: (من تواضع لله رفعه الله) السلسلة الصحيحة ، وعند أحمد بن حنبل: قال حَدَّثَنَا يَزِيدُ، وساق السند إلى عُمَرَ -قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَفَعَهُ– (قَالَ: "يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَنْ تَوَاضَعَ لِي هَكَذَا"، -وَجَعَلَ يَزِيدُ بَاطِنَ كَفِّهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَأَدْنَاهَا إِلَى الْأَرْضِ- "رَفَعْتُهُ هَكَذَا" -وَجَعَلَ بَاطِنَ كَفِّهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَرَفَعَهَا نَحْوَ السَّمَاءِ-) مسند أحمد،وصحيح الترغيب.
وأيضا وصف آخر لأولياء الله ، اسمعوا : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : ( إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء ) قيل من هم يا رسول الله لعلنا نحبهم ؟ قال : ( هم قوم تحابوا في الله في غير أموال ولا أنساب ، وجوههم نور على منابر من نور ، لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس ) ثم قرأ ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون )
 
أولياء الله صدورهم نقية من الحقد ولاحسد والغل والضغينة لاي مسلم ، ويدل عليه ما يرويه أنس ابن مالك قال :
( كنا يومًا جلوسًا مع رسولِ اللهِ فقال : (يطلُعُ عليكم مِن هذا الفجِّ رجلٌ مِن أهلِ الجنةِ) ، فطلَع رجلٌ منَ الأنصارِ تنطِفُ لحيتُه مِن ماءِ وضوئِه قد علَّق نعلَيه يدَه بشمالِه فسلَّم ، فلما كان منَ الغدِ ، قال النبيُّ مِثلَ ذلك فطلَع ذلك الرجلُ مِثلَ حالِه الأولى ، فلما أن كان في اليومِ الثالثِ ، قال النبيُّ مِثلَ مقالَتِه فطلَع ذلك الرجلُ على مِثلِ حالتِه الأولى ، فلما قام النبيُّ تبِعه عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ ، فقال : إني لاحَيتُ أبي- أي جادلته بشدة-  فأقسَمتُ عليه أني لا أدخُلُ عليه ثلاثًا فإن رأَيتَ أن تؤويَني إليكَ حتى تَمضِيَ الثلاثةُ أيامٍ فعَلتَ : فقال : نعَم ، قال أنسٌ : فكان عبدُ اللهِ يحدِّثُ أنه كان معه ثلاثَ ليالٍ فلم يرَه يقومُ منَ الليلِ شيئًا ، غيرَ أنه إذا تعارَّ ، أو قال : انقَلَب على فراشِه ، ذكَر اللهَ ، عزَّ وجلَّ ، وكبَّر حتى يقومَ ، لصلاةِ الفجرِ ، قال عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو : غيرَ أني لم أسمَعْه يقولُ إلا خيرًا ، فلما مضَتِ الثلاثُ الليالي كِدتُ أن أحتقِرَ عملَه ، قلتُ : يا عبدَ اللهِ ، لم يكُنْ بيني وبين والدي غضبٌ ، ولا هجرةٌ ولكني سمِعتُ رسولَ اللهِ يقولُ لكَ ثلاثَ مراتٍ يطلُعُ عليكم الآنَ رجلٌ مِن أهلِ الجنةِ , فطلَعتَ أنتَ الثلاثَ مراتٍ فأرَدتُ أن آويَ إليكَ لأنظُرَ عملَكَ فأقتديَ بكَ ، فلم أرَكَ تعمَلُ كبيرةً فما الذي بلَغ بكَ ما قال رسولُ اللهِ ؟ قال : ما هو إلا ما رأيتَ فلما ولَّيتُ دَعاني ، فقال : ما هو إلا ما رأيتَ غيرَ أني لا أجِدُ في نفسي على مسلمٍ غِشًّا ، ولا أحسُدُ أحدًا على خيرٍ أعطاه اللهُ تعالى إيَّاه ، قال عبدُ اللهِ : قلتُ : هي التي بلَغَتْ بكَ وهي التي لا نُطيقُ ) قال تعالى: ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ )(الحجر:47)

صفات أولياء الله  في العمل :

إن من دأب أولياء الله التزود بالنوافل بعد إتمام الفرائض
فقد صح عنه أنه قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: ( ما تقرب إلي عبدي بأحب ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به... ).
ويؤيده وصية رسول الله لفتى كان يخدمه هو ربيعة بن كعب الأسلمي، يرويها فيقول :  كنت أبيتُ مع رسولِ اللهِ فأتيتُه بوَضوئِه وحاجتِه . فقال لي: (  سلْ ")  فقلت: أسألُك مرافقتَك في الجنةِ قال: (أو غيرَ ذلك ؟ )  قلت: هو ذاك قال: (  فأعنِّي على نفسِك بكثرةِ السجودِ)  وفي لفظ: ( فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة ).

وإن أولياء الله لا يفترون عن ذكر الله ، وقد قال تعالى:( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) (البقرة152)، وقال تعالى: ( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)  (العنكبوت45)

أولياء الله على قسمين: مقتصد وسابق بالخيرات.
 فالمقتصد من يحافظ على الفرائض ويجتنب الكبائر.
والسابق بالخيرات من يحافظ على الفرائض ويتزود بالنوافل، ويجتنب الكبائر والمحرمات والمكروهات، فالقسمان من أولياء الله، فهم على درجات.

ماذا لأولياء الله ؟ 

ورد عن النبي في قوله ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة )
قال : ( الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له  بشراه في الحياة الدنيا ، وبشراه في الآخرة الجنة )  والرؤيا الصالحة كما جاء عن النبي :( هي جزء من ستة وأربعين جزءً من النبوة  ، فمن رآى ذلك فليخبر بها ، ومن رآى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثا وليكبر ولا يخبر بها احداً )
وروي موقوفاً عن أبي هريرة رضي اللهُ عنه أنه قال: (الرؤيا الحسنة بشرى من اللّه وهي من المبشرات )، وقال ابن جرير، عن أم كريز الكعبية: سمعت رسول اللهِ يقول: (ذهبت النبوة وبقيت المبشرات).
 وقيل: المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة، كقوله تعالى: ( إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) ، وفي حديث البراء رضي اللهُ عنه قول النبي : ( إن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب، فقالوا: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان، فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء) ،وأما بشراهم في الآخرة فكما قال تعالى: ( لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون)
( لا تبديل لكلمات الله ..) أي لا ينسخها شيء، هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة ، لا شك فيه، فلأولياء الله البشارات،  وذلك هو الفوز العظيم 


اللهم اجعلنا من عبادك المتقين المفلحين
اللهم  إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى

Tuesday, 3 June 2014

تدبر آيات من القرآن العظيم - الحزب 21 - سورة التوبة ؛ المسجد الذي أسس على التقوي من أول يوم


مسجد الضرار والمسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم 

قال تعالى : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَ‌ارً‌ا وَكُفْرً‌ا وَتَفْرِ‌يقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْ‌صَادًا لِّمَنْ حَارَ‌بَ اللهَ وَرَ‌سُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَ‌دْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللهُ  يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)  لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِ‌جَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُ‌وا ۚ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِ‌ينْ ) التوبة  107-108

سبب نزول الآيات :
سبب نزول هذه الآيات الكريمات : أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول الله إليها رجل من الخزرج يقال له أبو عامر الراهب.  
  وكان قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب ،وله شرف في الخزرج كبير . فلما قدم رسول الله مهاجرا إلى المدينة ، واجتمع المسلمون عليه ، وصارت للإسلام كلمة عالية ، وأظهرهم الله يوم بدر ، بارز النبي بالعداوة ، وخرج فارا إلى كفار مكة من مشركي قريش فشجعهمم على حرب رسول الله ، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب ، وقدموا عام غزوة أُحد ، فكان من أمر المسلمين ما كان من امتحان لهم على عدم امتثال بعضهم لأمر رسول الله .

وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين ، فوقع في إحداهن رسول الله ، وأصيب ذلك اليوم ، فجرح في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى ، وشج رأسه
  وكان رسول الله قد دعاه إلى الله قبل فراره إلى مكة، وقرأ عليه من القرآن ، فأبى أن يسلم وتمرد ، فدعا عليه رسول الله أن يموت بعيدا طريدا ، فنالته هذه الدعوة .

وذلك أنه لما فرغ الناس من أُحد ، ورأى أمر الرسول في ارتفاع وظهور ، ذهب إلى هرقل ، ملك الروم ، يستنصره على النبي ، فوعده ومناه ، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول الله ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له مكانا  يأتيهم فيه  فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه قبل خروج النبي إلى تبوك، وجاءوا فسألوا رسول الله أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ، ليحتجوا بصلاته
 فيه على تقريره وإثباته ، وذكروا له أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل المرض الذين لا يستطيعون الذهاب إلى المسجد النبوي في الليلة الشاتية ، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال : " إنّا على سفر ، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله " ـ  

فلما قفل راجعا إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم ، نزل عليه الوحي بخبر مسجد الضرار، وما نواه  بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء، الذي أسس من أول يوم على التقوى
 فبعث رسول الله إلى ذلك المسجد من هدمه قبل وصوله إلى  المدينة ، كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله
(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَ‌ارً‌ا وَكُفْرً‌ا  ..)   قال تعالى فيه : ( لا تقم فيه أبداً ..)ـ
وقوله تعالى : ( وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ) وهذا حلفهم إن أردنا أن نيسر على الضعفاء الذين لا يستطيعون الوصول إلى مسجد قباء .
  ما أردناه ببنيانه إلا خيرا ورفقا بالناس ، قال الله تعالى :  ( والله يشهد إنهم لكاذبون )
أي : فيما قصدوا وفيما نووا ، وإنما بنوه ضرارا لمسجد قباء ، وكفرا بالله ، وتفريقا بين المؤمنين ، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ، وهو أبو عامر الفاسق ، الذي يقال له : " الراهب " لعنه الله 
مسجد قباء :
ثم حثه ربه جل وعلا على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بنائه على التقوى ، وهي طاعة الله ، وطاعة رسوله ، وجمعا لكلمة المؤمنين ومعقلا وموئلا للإسلام وأهله ؛ ولهذا قال تعالى: ( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه)
والمقصود هنا هو مسجد قباء ؛ ولهذا جاء  في الحديث الصحيح أن رسول الله قال :
" صلاة في مسجد قباء كعمرة " وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَجَاءَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ أَجْرُ عُمْرَةٍ» ، وَفِي أُخْرَى صَحِيحَةٍ أَيْضًا: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ دَخَلَ مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَرَكَعَ فِيهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ كَانَ ذَلِكَ عَدْلَ عُمْرَةٍ» ، وَيَجْمَعُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ ثَوَابَ الْعُمْرَةِ رُتِّبَ أَوَّلًا عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ سَهَّلَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ، فَرَتَّبَهُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ.
وعليه فكل صلاة تصلى بركعتين في قباء يكون بها أجر عمرة مثل صلاة الفجر وتحية المسجد ، وسواء كانت فرضا أن نفلا ، منفردا ، أم في جماعة .
  وفي الصحيح أيضا :( أن رسول الله كان يزور مسجد قباء راكبا وماشيا )، وفي زيادة : انه كان يأتيه كل سبت .
رجال يحبون أن يتطهروا:
امتدح الله سبحانه وتعالى هذا المسجد وأهله والقيام فيه وشهد له بأنه مسجد أسس على التقوى والإيمان لا الرياء والمفاخرة أو الإضرار. قال الله تعالى: (لمسجدٌ أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه. فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين) والجمهور من المفسرين على أن المراد في الآية مسجد قباء.

وقد أورد أهل السيَر أنه لما نزل قوله تعالى (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) أرسل رسول الله يسألهم عن ذلك فقال:" ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به. فقالوا: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة إلى الغائط إلا غسل فرجه أي بعد الاستنجاء بالأحجار ـ وفي رواية: نتبع الغائط الأحجار الثلاثة، ثم نتبع الأحجار الماء. فقال: هو هذا. زاد في رواية: ولا ننام الليل كله على الجنابة".

قرية قباء...

وقباء هذه ضاحية من ضواحي المدينة المنورة، تقع في الجهة الجنوبية الغربية الموالية لمكة المكرمة، على طريقها المسمى طريق الهجرة، وهو الطريق الذي سلكه النبي عندما خرج من مكة، واتجه صوب المدينة مهاجراً إليها وبرفقته أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
وهي منطقة مشهورة ببساتينها ونخيلها وحدائقها الغناء، وكانت تبعد قرابة 5 كم وقد شملها البنيان فألحقها صفحة بيضاء قديمة بالمدينة المنورة حالياً...
وقد كان جمهور الأنصار من أهل المدينة (والذين بلغ عددهم قرابة خمسمائة مسلم كما تذكر ذلك بعض الروايات) قد تلقوا رسول الله بظاهر المدينة في الحرة فرحين به، مسلمين عليه وعلى صاحبه، فعدل ذات اليمين حتى نزل بقباء، في دار بني عمرو بن عوف، وذلك في يوم الاثنين لاثنتي عشرة( 12 أو قيل 8  ) ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وكان نزوله عند كلثوم بن الهدم شيخ بني عمرو بن عوف، ومكث عنده أربعة أيام ـ وقيل بضع عشرة ليلة ـ أسس خلالها بقباء المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى وصلى فيه.

وبعض الروايات تقول أن هذا المسجد كان موضع صلاة المسلمين قبلَ وصول النبي إلى قباء. فقد نقل السمهودي في كتابه "وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى أنه قيل: "كان المتقدمون في الهجرة من أصحاب رسول الله والأنصار بقباء قد بنوا مسجداً يصلون فيه يعني هذا المسجد، ولكن النبي كان قد جمع فيه أول جمعة – أي صلى بالناس صلاة الجمعة لأول مرة -

مزايا مسجد قباء:
 

المسجد الأول في الإسلام

1ـ يعتبر مسجد قباء أول مسجد بني في الإسلام على وجه الأرض، فسواء كان الذين اختاروا موضعه ابتداء هم المهاجرون والأنصار قبل وصول النبي أم كان الذي اختار موضعه هو النبي قبيل دخوله المدينة المنورة لأول الهجرة ـ على المشهورـ فإن ذلك لا يغير من كونه أول مسجد بني في الإسلام، ولذلك دلالته الكبرى التي لا تنكر.

إشراف ومباشرة من قبل الرسول

2ـ حاز مسجد قباء شرف وضع النبي لأساسه، والمشاركة الشخصية منه عليه السلام في بنائه، ومسارعة الصحابة: المهاجرون منهم والأنصار في إعماره، حتى قامت بنيته وعلا كعبه.
روى ابن زُبالة وغيره أنه كان لكلثوم بن الهدم بقباء مِرْبد (والمربد: الموضع الذي يبسط فيه التمر لييبس) فأخذه منه رسول الله فأسسه وبناه مسجداً...
وروى يونس بن بُكير في زيادات المغازي عن المسعودي عن الحكم بن عتيبة قال: لما قدم النبي فنزل بقباء قال عمار بن ياسر: ما لرسول  بُدُّ من أن يجعل له مكاناً يستظل به إذا استيقظ  ويصلي فيه، فجمع حجارة  فبنى مسجد قباء فهو أول مسجد بني.
قال السمهودي: وهو في التحقيق أول مسجد صلى فيه بأصحابه جماعة ظاهرا.

تفاصيل البناء الأول:


وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يسارعون في بناء مسجد قباء ويرتجزون شعراً ينشطون به همهم. روى ابن شبّه أن عبد الله بن رواحة كان يقول، وهم يبنون مسجد قباء:
افلح من يعالج المساجدا. فقال رسول الله : المساجدا.
فقال عبدالله: ويقرأ القرآن قائماً وقاعدا. فقال : وقاعدا.
 فقال عبدالله: ولا يبيت الليل عنه راقدا. فقال رسول الله : راقدا.

بناء بسيط متواضع


إن بناء رسول الله للمسجد كان بناء أولياً في منتهى البساطة والتواضع، إلا أنه كان من حجر، ولعله اتخذ له في قبلته سقفاً على جذوع النخل يقي المصلين حر الشمس ومطر الشتاء، كما فعل في مسجده الشريف في المدينة المنورة.
إلا أنه لم تكن له مئذنة ولا محراب، لأنهما لم يعرفا حينذاك بعد كما.
لم يكن فيه منبر لعدم إقامة صلاة الجمعة فيه طيلة عهد النبي ، الذي كان مسجده الشريف مجمعاً للمسلمين يوم الجمعة والعيد، يأتون إليه من ضواحي المدينة وأطرافها.

التجديد الأول... أيام عثمان رضي الله عنه  


ولما كانت خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه جدد قباء، وزاد فيه وحسنه، وذلك أسوة بما فعله بمسجد النبي إلا أنه لم يخرجه عن صورته البسيطة التي كان عليها في بنائه الأول.

الدور الأموي في تجديده: 


وبقي الحال هكذا حتى  كانت أيام الوليد بن عبد الملك الأموي، الذي قام بعمارة العديد من المساجد والآثار الإسلامية، وكان مولعاً بذلك ناشطاً فيهاـ فأوعز إلي وإليه على المدينة المنورة ابن عمه عمر بن عبد العزيز الذي تولى إمارتها (87 ـ 93هـ) بأن يجدد بناء مسجد قباء وأن يعني به، فقام عمر بن عبدالعزيز بتنفيذ تلك التعليمات، فبالغ  في تنميقه وتوسعته، وهو أول من عمل له مئذنة وجعل له رحبة وأروقة حول صحن المسجد تقوم  على أعمدة حجرية. وقد جاءت زيادة الوليد في مسجد قباء من جهة القبلة.

ثانياً: في فضل إتمام الطهور:

 روى الإمام أحمد : عن رجل من أصحاب النبي : ـ
 ( أن رسول الله صلى بهم الصبح فقرأ بهم الروم فأوهم ، فلما انصرف قال : " إنه يلبس علينا القرآن ، إن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء  فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء ) يقصد أنه التبس عليه قراءة القرآن في الصلاة بسبب أنه كان من بين المصلين معه أناس لم يحسنوا الوضوء وهم يصلون معه
وهذا الحديث يرشدنا إلى أن من أسباب خشوع  القلب في الصلاة ، وقراءة القرآن هو إحسان الطهور ، فمن  أراد أن يعي ما يقول  في صلاته ،ويستحضر قلبه  فإحسان الطهور أول أٍبوابه  ، ومن نوي حفظ القرآن ، فطهور الظاهر والباطن سببا له .
وقد أجاز معظم الفقهاءا قراءة القرآن لغير المتوضيء ، ولكنهم قالوا الأولى أن يكون على وضوء ، فإن ذلك أخشع وأحضر للقلب ،
وقوله تعالى : ( والله يحب المطهرين )
فقد اثنى الله تعالى على من أحب الطهارة ، وآثر النظافة ، وهي مروءة آدمية ، ووظيفة شرعية ، وفي صحيح الترمذي عن عائشة رضي الله عنها انها قالت :( مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحيهم ) ( صحيح ) أي أستحي أن اقوله لهم .
ثبت أيضا أن رسول الله كان يحمل الماء معه في الإستنجاء ، فكان يستعمل الحجارة تخفيفا - عن أمته ، أي حتى لا بشق على من لا يجد الماء- ، والماء تطهيرا كاملا تاما
وبعد فإن الطهور للجسد  بالماء لحسن ، ولكنهم المطَّهِرون من الذنوب بالتوبة من الذنب ،وطهارة القلب من الضغائن ومن الشهوات والشبهات ومن الشرك ، واللسان من الآفات  المنجسة له أحسن ، والله يحب المحسنين ... اللهم اجعلنا منهم .

اللهم اجعلنا من التوابين، واجعلنا من المتطهرين