Thursday, 14 January 2021

تفسير سورة عبس 3 والأخير، الصاخة وجوه يومئذ مسفرة

 



 يوم تأتي الصاخَّة تتميز الناس بين وجوه منيرة، ووجوه

 

التفسير:

 

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾،  لما ذكر أمر المعاش ذكر أمر المعاد، ليتزودوا له بالأعمال الصالحة، وبالإنفاق مما امتن به عليهم.

{الصَّاخَّةُ} يعني يوم القيامة، سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، وقال البغوي: { الصاخة} يعني يوم القيامة، سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، أي تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها،

من شدتها.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ: " خيرُ يومٍ طلعت فيهِ الشَّمسُ يومُ الجمعةِ، فيهِ خُلِقَ آدمُ، وفيهِ أُهْبِطَ، وفيهِ تيبَ علَيهِ، وفيهِ قُبِضَ، وفيهِ تقومُ السَّاعةُ، ما علَى الأرضِ من دابَّةٍ إلَّا وَهيَ تصبحُ يومَ الجمعةِ مُصيخةً، حتَّى تطلعَ الشَّمسُ شفقًا منَ السَّاعةِ إلَّا ابنَ آدمَ" ( صحيح النسائي )، وقوله: "ما على الأرضِ مِن دابَّةٍ إلَّا وهي تُصبِحُ يومَ الجُمُعةِ مُصِيخةً"، وفي روايةِ أحمَدَ وأبي داودَ: "مُسِيخةً"، أي: مُصْغيَةً ومُستمِعةً، "حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ؛ شَفَقًا مِن السَّاعةِ"، أي: خوفًا مِن قِيامِ السَّاعةِ في ذلك اليَومِ؛ وذلك لِمَا جبَلَه اللهُ عليها، "إلَّا ابنَ آدمَ"، وفي روايةِ أحمَدَ وأبي داودَ: "إلَّا الجِنَّ والإنسَ"، أي: فإنَّهم لا يتَرقَّبون ولا يَخافون قِيامَ السَّاعةِ في هذا اليومِ؛ لِكَثرةِ غَفلتِهم، الله عافنا من الغفلة.

أما في اللغة:

الصاخَّة تقال ، ويقصد بها معنيين متضادين ، قال الخليل : الصاخة : صيحة تصخ الآذان صخا أي تصمها بشدة وقعتها.

أصل الكلمة في اللغة : الصك الشديد. وقيل : هي مأخوذة من صخه بالحجر : إذا صكه

الطبري : وأحسبه من صخ فلان فلانا : إذا أصماه، أصمه،  قال ابن العربي : الصاخة التي تورث الصمم، وإنها لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة، فهي تسمع من علو صوتها، وتصم الآذان من شدته، وقال آخر: لعمر الله إن صيحة القيامة لمسمعة تصم عن الدنيا، وتسمع أمور الآخرة.

قوله تعالى {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} أي يهرب، أي تجيء الصاخة في هذا اليوم الذي يهرب فيه من أخيه؛ أي من موالاة أخيه ومكالمته؛ لأنه لا يتفرغ لذلك، لاشتغاله بنفسه؛ كما قال بعده {لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} أي يشغله عن غيره.

وقيل : إنما يفر حذرا من مطالبتهم إياه، لما بينهم من التبعات.

وقيل : لئلا يروا ما هو فيه من الشدة.

وقيل : لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا؛ كما قال {يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ} (الدخان ٤١).

وقال عبدالله بن طاهر الأبهري : يفر منهم لما تبين له من عجزهم وقلة حيلتهم، إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه، وهو ربه تعالى، ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئا سوى عليه تبارك وتعالى.

وذكر الضحاك عن ابن عباس قال : يفر قابيل من أخيه هابيل، ويفر النبي ﷺ من أمه، وإبراهيم عليه السلام من أبيه، ونوح عليه السلام من ابنه، ولوط من امرأته، وآدم من سوأة بنيه. وقال الحسن : أول من يفر يوم القيامة من، أبيه : إبراهيم، وأول من يفر من ابنه نوح؛ وأول من يفر من امرأته لوط. والله أعلم.

يراهم ويفر منهم؛ لأن الهول عظيم، والخطب جليل، قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أي بعل كنت لكِ؟ فتقول: نعم البعل كنت، وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت، ولكن لا أطيق أن أعطيك شيئاً أتخوف مثل الذي تخاف، ومثلها الولد لوالده ووالدته، والأب والأم لأبنائهم.

وفي الحديث الصحيح في أمر الشفاعة: حتى عيسى بن مريم يقول يومها: "لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني"

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ : " يُبعثُ النَّاسُ يومَ القيامةِ ، حفاةً عراةً غرلًا بُهْمًا . فقالت عائشةُ : فَكيفَ بالعوْراتِ؟ قالَ : {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} ( متفق عليه، واللفظ للإمام أحمد) أي له حال يشغله عن الأقرباء.

مقارنة بين ما جاء في سورة المعارج:{...يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ }

وهنا في سورة (عبس)قوله: { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ}

قال الدكتور فاضل السامرائي: في سور عبس: المشهد هو مشهد فرار، والفرار عادة يكون من الأباعد ثم ينتهي بالأقربين. المذكورون هنا: هم الأخ والأم والأب والصاحبة أي الزوجة والأبناء، الأبعد هو الأخ  مسافة عادة ،بينما يأوي الإنسان كل يوم إلى بيته وزوجه وأولاده. ولأن هذا مشهد فرار فلكون الأم لا تستطيع أن تفعل له شيء فهي أبعد من الأب في هذا المشهد.

في سورة المعارج: أولاً ربنا قال عنه: مجرم والمجرم يود النجاة بكل سبيل ويضحي ببنيه لأنه يصنع أيّ شيء ليفتدي نفسه، لا يهمه أحد، فبدأ بالأقرب. لكن الملاحظ أنه ذكر الأخ والأبناء والصاحبة ولم يذكر الأب والأم في الفداء لعظيم منزلتهما عند الله لا يجرؤ أن يفتدي بهما لأنه عندما يفتدي الشخص يفتدي بمن يحبه الشخص المقابل صاحب الشأن.

لو أراد شخصاً أن يفدي نفسه عند حاكم يفتدي بما يريده الحاكم لا بما يرضيه هو فلو افتدى بهما يقال له: هذا ما وصيتك به؟! تفتدي بهما وأنا أوصيتك بالإحسان إليهما وأنت تضعهما في النار؟!، لا يجرؤ مع أنه مجرم أن يفتدي بأبيه وأمه لعظيم منزلتهما عند الله لا يستطيع أن يقول أنا أفتدي بأمي وأبي، يقال له تعصي أمري الآن؟

وأقول: أنه لما أراد أن يفتدي نفسه، فيفتدي نفسه بما يملك، فهو يملك أبناؤه، كما قال رسول الله  : " أنتَ ومالُكَ لِأبيكَ" ( ضعيف)، لكنه لا يملك والديه ليفدي نفسه بهما، بل هما يملكانه.

فافتدى نفسه: بما يملك : ابنه ، وثم صاحبته ، وهي الزوجة، فهو بيعها ليتشري نفسه بما أمهرها، وله عليها من حق، وذكره أخاه من هذا الباب.

أما في مشهد الفرار ، فإنه يفر خزيا، وخوفا من يطلب منه حسنات، فيفر من أخيه أولا ، لأنه عرض نفسه عليه بأحسن صورة، ثم أمه وأبيه ، ثم تأتي صاحبته التي تعرفه أكثر من غيرها، والله أعلم.

 

وقوله تعالى { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ} أي يوم الصاخة يكون الناس هنالك فريقين، وجوه مسفرة أي مستنيرة مشرقة مضيئة، قد علمت مالها من الفوز والنعيم، وهي وجوه المؤمنين. {ضَاحِكَةٌ} أي مسرورة فرحة. {مُّسْتَبْشِرَةٌ}: أي قد ظهر البشر على وجوههم، بما آتاها الله من الكرامة، وهؤلاء هم أهل الجنة.

 {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } أي يعلوها وتغشاها {قَتَرَةٌ} أي سواد، وفي الحديث عن عبدِ اللهِ بنِ عمروِ بنِ العاصِ لا يرفعه، قال: يشتدُّ كربُ ذلك اليومِ حتى يلجمَ الكافرُ العرقَ ، قيل له : فأين المؤمنون ؟ قال: على الكراسي من ذهبٍ ويظلِّلُ عليهم الغمامَ. (  فهو قوله تعالى: { ووجوه يومئذ عليها غبرة} (أخرجه ابن أبي حاتم)، وقال ابن عباس { تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} أي يغشاها سواد الوجوه وذلة وشدة.

 والقتر في كلام العرب : الغبار، جمع القترة، وقال زيد بن أسلم، القترة : ما ارتفعت إلى السماء، والغبرة : ما انحطت إلى الأرض، والغبار والغبرة : واحد.

وقوله تعالى: {أُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} أي الكفرة قلوبهم، الفجرة في أعمالهم، كما قال تعالى: {وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا } . و {الْفَجَرَةُ} جمع فاجر، وهو الكاذب المفتري على الله تعالى. وقيل : الفاسق.

يقال : فجر فجورا : أي فسق، وفجر : أي كذب. وأصله : الميل، والفاجر : المائل عن الحقيقة.

قال الإمام السعدي رحمه الله: {أُولَئِكَ} الذين بهذا الوصف {هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ } أي: الذين كفروا بنعمة الله وكذبوا بآيات الله، وتجرأوا على محارمه. فذُكر وصفاهم الدالان على مجموع فساد الاعتقاد وفساد العمل .

وذكر وصف { الفجرة } بدون عاطف يفيد أنهم جمعوا بين الكفر والفجور .

و«أُولئِكَ» مبتدأ و«هُمُ» ضمير فصل و«الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ» خبران والجملة مستأنفة.

نسأل الله العفو والعافية إنه جواد كريم

[والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات].

Monday, 11 January 2021

تفسير سورة عبس ج2 حملة القرآن السفرة الكرام البررة

  


تفسير سورة  عبس ج ٢- حملة القرآن السفرة الكرام البررة

 

وقوله تعالى: { كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ } { كلا} كلمة ردع وزجر؛ أي ما الأمر كما تفعل مع الفريقين؛ أي لا تفعل بعدها مثلها، أي هذه الوصية بالمساواة بين الناس، في إبلاغ العلم بين شريفهم ووضيعهم،

 وقال قتادة { كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ } يعني القرآن {فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ } أي فمن شاء ذكر اللّه تعالى في جميع أموره، وقوله تعالى: { فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ*  مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ} أي هذه السورة أو العظة {فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ} أي معظمة موقرة، {مَّرْفُوعَةٍ } أي عالية القدرة، { مُّطَهَّرَةٍ} أي من الدنس والزيادة والنقصان، مصانة عن أن ينالها الكفار.

وقوله تعالى: {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ } قال ابن عباس ومجاهد: هي الملائكة، وقال وهب بن منبه: هم أصحاب محمد ﷺ ، وقال قتادة: هم القراء، وقال ابن جرير: والصحيح أن السفرة الملائكة، والسفرة يعني بين اللّه تعالى وبين خلقه، ومنه السفير الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير.

وقال البخاري: سفرة: الملائكة: سفرتُ أصلحت بينهم، وجُعلت الملائكة إذا نزلت بوحي اللّه تعالى وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم. وهي مطهرة تجعل التطهير لمن حملها، {بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ }هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق، ولا يشاركهم فيها سواهم، ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم.

 بر وبار : إذا كان أهلا للصدق، ومنه بر فلان في يمينه: أي صدق، وفلان يبر خالقه ويتبرره : أي يطيعه؛ فمعنى {بَرَرَةٍ } مطيعون لله، صادقون لله في أعمالهم.

وقوله تعالى: { كِرَامٍ بَرَرَةٍ} أي خَلْقهم كريم، وأخلاقهم بارة طاهرة، وفي الصحيح: (الَّذي يقرأُ القرآنَ وهو ماهرٌ به مع السَّفَرةِ الكِرامِ البَررةِ ، والَّذي يقرأُ القرآنَ - قال هشامٌ - وهو عليه شاقٌّ فله أجران) (أخرجه الجماعة عن عائشة رضي اللّه عنها مرفوعاً) الماهر بالقرآن: مع الملائكةُ، أمَّا مَن كان يقرؤُه فيتعاهدُه وهو عليه شديدٌ؛ لضعْفِ حفْظِه، فإنَّ له أجرينِ أجرًا لِقراءتِه وأجرًا لِعنائه وما يُلاقيه مِن شِدَّةٍ في حفْظِه، وليسَ المرادُ أنَّ أجْرَه أكثرُ مِن أجْرِ الماهر، بلِ الأوَّلُ أكثرُ؛ ولذا كان مع السَّفَرةِ فالحافظُ لا يصيرُ كذلك إلَّا بعد عناءٍ كثيرٍ ومشقَّةٍ شديدةٍ غالبًا.

يقول ربنا  ذاماً لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم: {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} ، أي عباس: لعن جنس الإنسان المكذب لكثرة تكذيبه، يقول: ما أشد كفره، وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد أي شيء جعله كافراً أي ما حمله على التكذيب بالمعاد؟ وقال قتادة: { مَا أَكْفَرَهُ} ما ألعنه، قال  ابن عباس { ما أكفره}: أي شيء أكفره؟

والأصح ما قيل { ما} أنها تعجب؛ وعادة العرب إذا تعجبوا من شيء قالوا : قاتله الله ما أحسنه! وأخزاه الله ما أظلمه؛ والمعنى : اعجبوا من كفر الإنسان لجميع ما ذكرنا بعد هذا. وقيل : ما أكفره بالله ونعمه مع معرفته بكثرة إحسانه إليه على التعجب.

وقيل { ما} استفهام أي أي شيء دعاه إلى الكفر؛ فهو استفهام توبيخ.

قوله تعالى { مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } أي من أي شيء خلق الله هذا الكافر فيتكبر؟ أي اعجبوا لخلقه. {مِن نُّطْفَةٍ} أي من ماء يسير مهين جماد {خَلَقَهُ} فلم يغلط فيه ! قال الحسن : كيف يتكبر من خرج من سبيل البول مرتين. {خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } في بطن أمه، ي قدر يديه ورجليه وعينيه وسائر آرابه، وحسنا ودميما، وقصيرا وطويلا، وشقيا وسعيدا.كما قال { أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا }( الكهف٣٧)، وقيل: قدّر أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد، كما قال الصادق المصدوق: " أنَّ خَلْقَ أحَدِكُمْ يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يَكونُ مُضْغَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يُبْعَثُ إلَيْهِ المَلَكُ فيُؤْذَنُ بأَرْبَعِ كَلِماتٍ، فَيَكْتُبُ: رِزْقَهُ، وأَجَلَهُ، وعَمَلَهُ، وشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فيه الرُّوحَ " ( متفق عليه واللفظ للبخاري)

قوله تعالى: {ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ } يسره للخروج من بطن أمه. مجاهد : يسره لطريق الخير والشر؛ أي بين له ذلك. دليله { إنا هديناه السبيل} و { هديناه النجدين} . فالإنسان إما إلة سبيل الشقاء أو السعادة، وهو سبيل الإسلام. وقال أبو بكر بن طاهر : يسر على كل أحد ما خلقه له وقدره عليه؛ دليله قوله عليه السلام : [اعملوا فكل ميسر لما خلق له].

[ الحديث كما رواه البخاري: عن علي بن أبي طالب : قال: كانَ النبيُّ ﷺ في جَنَازَةٍ، فأخَذَ شيئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ به الأرْضَ، فَقالَ: " ما مِنكُم مِن أحَدٍ إلَّا وقدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، ومَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، أفلا نَتَّكِلُ علَى كِتَابِنَا، ونَدَعُ العَمَلَ؟ قالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له، أمَّا مَن كانَ مِن أهْلِ السَّعَادَةِ فيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، وأَمَّا مَن كانَ مِن أهْلِ الشَّقَاءِ فيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ"  ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَن أعْطَى واتَّقَى وصَدَّقَ بالحُسْنَى} الآيَةَ.

 قوله تعالى { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } أي جعل له قبرا يواري فيه إكراما، ولم يجعله مما يلقي على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي ، وهو ينظر إليه يتآكل، أي : جعل له قبرا، وأمر أن يقبر.

في اللغة:

قبره؛  القابر هو الدافن بيده، يقال : قبرت الميت : إذا دفنته.

وأقبره الله : أي صيره بحيث يقبر، وجعل له قبرا؛

وقوله تعالى: { ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ } أي أحياه وبعثه بعد موته، ومنه يقال البعث والنشور، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: " يأكُلُ التُّرابُ كلَّ شيءٍ مِن الإنسانِ إلَّا عَجْبَ ذَنَبِه قيل: وما هو يا رسولَ اللهِ ؟ قال: ( مِثْلُ حبَّةِ خَرْدلٍ منه ينشَأُ" ( صحيح ابن حبان)

وقوله تعالى:{ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ } يقول: أي حقا  لم يؤد ما فرض عليه من الفرائض لربه عزَّ وجلَّ، عن مجاهد قال: لا يقضي أحد أبداً  كل ما افترض عليه، وأينا يتصور  أنه فعل، وقيل: لم يف بالميثاق الذي أخذ عليه في صلب آدم.

{ كَلَّا} ردع وزجر، أي ليس الأمر : كما يقول الكافر؛ فإن الكافر إذا أخبر بالنشور قال { وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ } (فصلت ٥٠).

قوله تعالى: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ}  لما ذكر جل ثناؤه ابتداء خلق الإنسان، ذكر ما يسر من رزقه؛ أي فلينظر كيف خلق الله طعامه. وهذا النظر نظر القلب بالفكر؛ أي ليتدبر كيف خلق الله طعامه الذي هو قوام حياته، وكيف هيأ له أسباب المعاش، ليستعد بها للمعاد. وفيه امتنان، وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة، على إحياء الأجسام بعدما كانت عظاماً بالية وتراباً متمزقاً.

قوله تعالى { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} قراءة العامة { إنا} بالكسر، على الاستئناف، وقرأ الكوفيون ورويس عن يعقوب { أنا} بفتح الهمزة، فـ { أنا} في موضع خفض على الترجمة عن الطعام، فهو بدل منه؛ كأنه قال { فلينظر الإنسان إلى طعامه} إلى { أنا صببنا} فلا يحسن الوقف على { طعامه} من هذه القراءة.

{ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} أي أنزلناه من السماء على الأرض، { ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا} أي أسكناه فيها فيدخل في تخومها، فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض، { فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا } ، فالحب كل ما يذكر من الحبوب، قمحا وشعيرا وسلتا وسائر ما يقصد ويدخر ، والعنب معروف، والقضب هو الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة، ويقال لها القت أيضاً. قال ذلك ابن عباس وقتادة، وقال الحسن البصري: القضب العلف، { وَزَيْتُونًا} وهو معروف، وهو أدم وعصيره أدم، ويستصبح به ويدهن به، {وَنَخْلًا} يؤكل بلحاً وبسراً، ورطباً وتمراً، ونيئاً ومطبوخاً، ويعتصر منه رب وخل. { {وَحَدَائِقَ غُلْبًا} أي بساتين، {غُلْبًا} نخل غلاظ كرام، وقال ابن عباس: كل ما التف واجتمع من الأشجار، وقال أيضا: هو الشجر الذي يستظل به.

وقوله تعالى: { وفاكهة وأباً} أما الفاكهة فكل ما يتفكه به من الثمار، قال ابن عباس: الفاكهة كل ما أكل رطباً، والأَبُّ: ما أنبت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس، وقيل:  هو الحشيش للبهائم، وقال مجاهد: الأب الكلأ. وقوله تعالى: { مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} أي عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار، إلى يوم القيامة.

 وهذا ضرب مثل ضربه الله تعالى لبعث الموتى من قبورهم، كنبات الزرع بعد دثوره، كما تقدم بيانه في غير موضع. ويتضمن امتنانا عليهم بما أنعم به.