Friday, 11 November 2022

تفسير سورة البقرة ح 19 سيدنا إبراهيم عليه السلام ، إماما وأمة

   

تفسير سورة البقرة- ح ١٩

(وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) ..

فكان ثوابه من ربه

(قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)-(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً)

مزايا سيدنا إبراهيم عليه السلام، وأوائله

إبراهيم: أبٌ رحيم يكفل أبناء المؤمنين في الجنة

 

 

 

ذكر إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة:

-ذكر سيدنا إبراهيم في سورة البقرة أكثر من مرة، هنا في هذا الموضع، وفيه عدة مناقب لإبراهيم عليه السلام سنأتي عليها

-وذكر قصته مع النمرود، وبحثه عن عين اليقين في البعث بعد الموت.

من هو سيدنا إبراهيم عليه السلام:

-إبراهيم تعني بالسريانية: أب رحيم ، قال الماوردي:  ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب راحم، لرحمته بالأطفال، ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين يموتون صغارا إلى يوم القيامة. ومما يدل على هذا ما خرجه البخاري من حديث الرؤيا الطويل عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ رأى أطفالُ المؤمنينَ في جبلٍ في الجنةِ، يكفلُهم إبراهيمُ و سارَّةُ ، حتى يردَّهم إلى آبائِهم يومَ القيامةِ) (السلسلة الصحيحة)، وقد سئل ﷺ في هذا الحديث: وأولاد المشركين، قال: وأولاد المشركين. والحديث رواه البخاري. ويؤيده قوله ﷺ: "أولاد المشركين خدم أهل الجنة." ( صححه الألباني)، إلا أن أولاد المشركين لا يشفعون لآبائهم كما يشفع أولاد المسلمين لآبائهم، قال الله تعالى عن المشركين: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) (المدثر ٤٨).

-وقيل أن معنى اسمه بالسريانية؛ الأب الرفيع أو الأب المكرم، هو أب نسب كبير، وأنه ينسب إليه أنه أبو بني إسرائيل، من ولده اسحق عليهما السلام، وأبو العرب من ولده إسماعيل عليه السلام.

وفي اللغة الكلدانية :الأب العالي أو الأب الرفيع، إلا ترى أنه أبو الأنبياء.

- تاريخ مولده لم يرد تأكيد  بدقه، ولكن  المعروف عنه أنه بين 2324-1850 ق.م (مختلف فيها) في أور الكلدانيين، أو قيل حران وهي تقع على نهر الفرات جنوب تركيا، والأول أوثق، وقيل بل هجرته كانت لحران ن بعد قصته مع النمرود بن كنعان.

-عمَّر إبراهيم حتى بلغ مئة وثمانين عاما، وقيل مئتي عام.

- وإبراهيم هو العاشر في شجرة النسب من نوح، ولد لتارخ- والأغلب أنه هو أزر الذي ورد في سورة الأنعام، في قوله تعالى:( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ)،  ولد لآزر  ثلاثة أبناء وهم إبراهيم وناحور،  وهاران وهو  والد النبي لوط عليه السلامـ فلوط ابن عم إبراهيم عليهم السلام.

-  ولد إبراهيم عليه السلام في أور قرية قريبة من بابل في عهد الطاغية النمرود بن كنعان، وله قصة معه ستأتي في السورة. إبراهيم هاجر إلى بلاد كنعان استجابة لدعوة الرب بعد أن رُفضت دعوته في أور الكلدانية.

- خط تنقلات إبراهيم عليه السلام كما وردت في سفر التكوين كالتالي؛

أور ← بابل ← حاران( جنوب تركيا) ← شكيم( نابلس)← بيت إيل( رام الله) ← مصر ← بيت إيل ← حبرون ( الخليل)← دمشق ← حبرون ← جرار ← بئر السبع( جنوب فلسطين)← مريا ( في غزة)← بئر السبع ← حبرون( الخليل) وتوفي ودفن فيها.

- تزوج سيدنا إبراهيم من ثلاثة نساء، هن؛ سارة وهاجر وقطورة- أو قنطوا- وقد تزوج سارة بنت هاران ابنة عمه  في أور، و كانت تصغره بعشر سنوات وانجبت له إسحق عليه السلام، وهي في عمر السابعة والثمانين من عمرها. 

– وكان قد تزوج إبراهيم عليه السلام من هاجر المصرية والتي أنجبت منه إسماعيل عليه السلام، وهو يكبر أخاه إسحاق بثلاثة عشر سنة، والذي أسكنه مع أمه في مكة المكرمة،تعلم العربية ، وهو أول من نطق العربية الفصحى،  وتزوج من العرب ، وهو الذبيح، وإليه ينتهي نسب رسول الله محمد ﷺ.

-وتزوج من قنطوا الكنعانية، وأنجبت له ولدان،هما-مدين. ومدائن. وقيل سته، والله أعلم.

- إبراهيم عليه السلام أول من اختتن، اختتن وهو ابن ثمانون عامًا، وأول من أضاف الضيف ، وأول من استحد (فالاستحداد استعمال الحديد في حلق العانة)، وأول من قلم الأظفار، وأول من قص الشارب، وأول من شاب، فلما رأى الشيب قال: ما هذا ؟ قال: وقار ، قال: يا رب زدني وقارا. وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه قال : أول من خطب على المنابر إبراهيم خليل الله. وروى معاذ بن جبل قال : قال النبي ﷺ قَالَ : " إِنْ أَتَّخِذْ مِنْبَرًا فَقَدِ اتَّخَذَهُ أَبِي إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ، وَإِنْ أَتَّخِذِ الْعَصَا فَقَدِ اتَّخَذَهَا أَبِي إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ " ( في سند الحديث رجل مجهول الحال- ضعيف)

- وقيل وأول من ثرد الثريد ، وأول من ضرب بالسيف ، وأول من استاك ، وأول من استنجى بالماء ، وأول من لبس السراويل .

- وفي الختان، قال أبو الفرج الجوزي، عن كعب الأحبار قال: خلق من الأنبياء ثلاثة عشر مختونين: آدم وشيث وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى والنبي ﷺ. لم يثبت

-وفي كون رسول الله ﷺ ولد مختونا؛ قال ابن القيم: إن العرب كانوا يختتنوا، ويذكر عندهم أن الصبي إذا ولد مختوناً : فإن هذه نقيصة وليست منقبة لصاحبها كما يظنه بعض الناس. وكانت العرب لا تعتد بصورة الختان من غير ختان وترى الفضيلة في الختان نفسه وتفخر به.

وقد جاء في بعض الروايات أن جده عبد المطلب ختنه في اليوم السابع ، قال: وهو على ما فيه أشبه بالصواب ، وأقرب إلى الواقع ." تحفة المولود "

-وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الأَرْحِيَةَ – الرحاء -يُطْحَنُ بِهَا بِمَكَّةَ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، وَأَوَّلُ مَنْ رَثَى مَيِّتًا : آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ .

- وهو  «أبو الأنبياء» وهو أحد أولي العزم من الرسل، لصبرهم كما جاء في القرآن: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف ٣٥)

-وهو خليل الرحمن، قال تعالى:( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)  ﴿النساء ١٢٥﴾‏، وهذا اصطفاء من الله لنبيه  إبراهيم عليه الصلاة والسلام، من بين سائر خلقه. والخلة هي أعلى مقامات المحبة، والاصطفاء.، وقد حظي بهذه المرتبة رسولنا الكريم محمد ﷺ، قال " لو كُنْتُ متَّخِذًا خليلًا لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خليلًا ولكنَّه أخي وصاحبي وقد اتَّخَذ اللهُ صاحبَكم خليلًا" (مسلم)

 

التفسير:
قوله تعالى:
(وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)

 

لما جرى من ذكر الكعبة والقبلة اتصل ذلك بذكر إبراهيم عليه السلام ، وأنه الذي بنى البيت، فكان من واجب اليهود - وهم من نسل إبراهيم - ألا يرغبوا عن دينه.

(وَإِذِ ابْتَلَى )؛  والابتلاء : الامتحان والاختبار، ومعناه أمر وتعبد، وقوله: (بِكَلِمَاتٍ): الكلمات جمع كلمة ، أي بشرائع وأوامر ونواه، ويرجع تحقيقها إلى كلام الباري تعالى، لكنه عبر عنها عن الوظائف التي كلفها إبراهيم عليه السلام، ولما كان تكليفها بالكلام سميت به، كما سمي عيسى كلمة؛  لأنه صدر عن كلمة وهي كن . وتسمية الشيء بمقدمته أحد قسمي المجاز

وهذا تنبيه على شرف إبراهيم خليله عليه السلام، وأن اللّه تعالى جعله إماماً للناس يقتدى به في التوحيد، لأنه قام بما كلّفه اللّه تعالى به من الأوامر والنواهي، ولهذا قال: (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ..) أي واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين يدعون  ملة إبراهيم وليسوا عليها.. اذكر لهؤلاء ابتلاء اللّه إبراهيم أي اختياره لهم بما كلفه به من الأوامر والنواهي (فأتمهن) أي قام بهن كلهن كما قال تعالى (وإبراهيم الذي وفَّى) (النجم ٣٧) ، أي وفَّى جميع ما شرع له فعمل به صلوات اللّه عليه.

وقال تعالى: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ ١٢٠﴾ شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) ﴿١٢١ النحل﴾‏ ، وقوله ( أمة) أي إن إبراهيم كان إمامًا قدوة جامعا لخصال الخير.

 

وقال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٦٧﴾‏ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ آل عمران٦٨﴾

فلما ( فَأَتَمَّهُنَّ ) أي قام بهن،فقال له ربه: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ)  أي جزاء على ما فعل كما قام بالأوامر وترك الزواجر جعله اللّه للناس قدوة وإماماً يقتدى به ويحتذى حذوه.

وقد اختلف في تعيين الكلمات التي اختبر اللّه بها إبراهيم الخليل عليه السلام.

- فروي عن ابن عباس قال: ابتلاه اللّه بالمناسك، وروي عنه قال: ابتلاه بالطهارة خمسٌ في الرأس، وخمسٌ في الجسد:  

في الرأس: قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس.

وفي الجسد: تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء.

 وقد أمر الله نبينا ﷺ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺقال: (الفطرة خمس: الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط). وقال عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم من أهل زمنه.

 

وقيل في الكلمات التي ابتلى اللّه إبراهيم بهن فأتمهن، قال: الإسلام ثلاثون سهماً منها عشر آيات في براءة: (لتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ )﴿التوبة ١١٢﴾.

وعشر آيات في أول سورة المؤمنون: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾‏ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾‏ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾‏ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾‏ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾‏ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٨﴾‏ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾‏ أُولَٰئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾

وعشر المذكورون في الأحزاب: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) ﴿الأحزاب ٣٥﴾‏

فأتمهن كلهن فكتبت له براءة. قال اللّه تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ) ﴿النجم ٣٧﴾‏

وقال محمد بن إسحاق عن ابن عباس قال: الكلمات التي ابتلى اللّه بهن إبراهيم فأتمهن هي:

-فراق قومه في اللّه حين أمر بمفارقتهم.

 -ومحاجته نمروذ في اللّه حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه.

-وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في اللّه على هول ذلك من أمرهم.

-والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في اللّه حين أمره بالخروج عنهم.

-وما أمر به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله.

- وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه.

 فلما مضى على ذلك من اللّه كله وأخلصه للبلاء قال له ربه: (أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) ﴿البقرة ١٣١﴾‏،  على ما كان من العنت أن يخالف الناس ويفارقهم.

وقال ابن جرير: كان الحسن يقول: إي واللّه، لقد ابتلاه بأمر فصبر عليه؛

- ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر فأحسن في ذلك وعرف أن ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما كان من المشركين.

-ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجراً إلى اللّه.

- ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك.

-وابتلاه بذبح ابنه، والختان فصبر على ذلك.

وعن سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم عليه السلام أول من اختتن، وأول من ضاف الضيف، وأول من قلم أظفاره، وأول من قص الشارب، وأول من شاب.

قال أبو جعفر بن جرير ما حاصله: إنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجاز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع. قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.

وربه لما جعله إماماً،  سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته فأجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمةً فلا يقتدى بهم (قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ﴿١٢٤﴾‏

والدليل على أنه أجيب إلى طلبه قوله تعالى في سورة العنكبوت: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) ﴿ ٢٧﴾‏ فكل نبي أرسله اللّه، وكل كتاب أنزل الله بعد إبراهيم، ففي ذريته صلوات اللّه وسلامه عليه.

 وأما قوله تعالى: (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، فقد اختلفوا في ذلك

فقال مجاهد: لا يكون ظالم إماما يقتدى به.

وقال: أما من كان منهم صالحاً فاجعله إماماً يقتدى به، وأما من كان ظالماً فلا ولا نعمة عين. وعن ابن عباس قال، قال اللّه لإبراهيم: إني جاعلك للناس إماماً، قال: ومن ذريتي، فأبى أن يفعل، ثم قال له:(لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)

وروي عن قتادة في قوله (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: لا ينال عهدُ اللّه في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به وأكل وعاش.

 وقال الربيع بن أنس: عهدُ اللّه الذي عهد إلى عباده دينهُ، يقول: لا ينال دينه الظالمين ألا ترى أنه قال: (وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ )﴿الصافات  ١١٣﴾‏،  يقول ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق. وعن النبي ﷺقال: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، قال: (لا طاعة إلا في المعروف) ""أخرجه ابن مردويه عن علي بن أبي طالب مرفوعاً"

وقال ابن خويز منداد: الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكما ولا مفتياً ولا شاهداً ولا راوياً.


Monday, 7 November 2022

تفسير أوائل سورة النور 2- القذف من الزوج يلزم اللعان

   


 

 ما حكم الزوج الذي يرمي زرجته بالفاحشة؟

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 6 ) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ( 7 ) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ( 8 ) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 9 ) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ( 10 ) .

هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته، وتعسّر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر اللّه عزَّ وجلَّ، وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات باللّه في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين: أي فيما رماها به من الزنا (وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) ، فإذا قال ذلك بانت منه وحرمت عليه أبداً، ويعطيها مهرها ويتوجب عليها حد الزنا، ولا يدرأ عنها الحد إلا أن تلاعن، فتشهد أربع شهادات باللّه إنه لمن الكاذبين: أي فيما رماها به، (وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) ، ولهذا قال: (وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ) يعني الحد، { أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ( 8 ) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 9 )  وإنما كانت شهاداتها على الزوج  دارئة عنه الحد، وإن لم تشهد لم تتقي نفسها من الحد، بل تحد هي، ويفرق بينهما، وولدها الا ينسب إليه.

( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ) على رميهم بذلك ( شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ) بأن لم يقيموا شهداء، على ما رموهم به ( فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) سماها شهادة، لأنها نائبة مناب الشهود، بأن يقول: « أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به » .

( وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) أي: يزيد في الخامسة مع الشهادة المذكورة، مؤكدا تلك الشهادات، بأن يدعو على نفسه، باللعنة إن كان كاذبا، فإذا تم لعانه، سقط عنه حد القذف، ظاهر الآيات، ولو سمى الرجل الذي رماها به، فإنه يسقط حقه تبعا لها. وهل يقام عليها الحد، بمجرد لعان الرجل ونكولها أم تحبس؟ فيه قولان للعلماء، الذي يدل عليه الدليل، أنه يقام عليها الحد، بدليل قوله: ( وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ ) إلى آخره، فلولا أن العذاب وهو الحد قد وجب بلعانه، لم يكن لعانها دارئا له.

ويدرأ عنها، أي: يدفع عنها العذاب، إذ قابلت شهادات الزوج، بشهادات من جنسها.

( أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ) وتزيد في الخامسة، مؤكدة لذلك، أن تدعو على نفسها بالغضب، فإذا تم اللعان بينهما، فرق بينهما إلى الأبد، وانتفى الولد الملاعن عليه، أي لا ينسب لهذا الزوج، وظاهر الآيات يدل على اشتراط هذه الألفاظ عند اللعان، منه ومنها، واشتراط الترتيب فيها، وأن لا ينقص منها شيء، ولا يبدل شيء بشيء، وأن اللعان مختص بالزوج إذا رمى امرأته، لا بالعكس، وأن الشبه في الولد مع اللعان لا عبرة به، كما لا يعتبر مع الفراش، وإنما يعتبر الشبه حيث لا مرجح إلا هو.

لما نزلت هذه الآية قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار رضي اللّه عنه: أهكذا أنزلت يا رسول اللّه؟ فقال رسول اللّه ﷺ: (يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟) فقالوا: يا رسول اللّه لا تلمه، فإنه رجل غيور، واللّه ما تزوج امرأة قط إلا بكراً، وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته، فقال سعد: واللّه يا رسول اللّه إني لأعلم إنها لحق وأنها من اللّه، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعاً قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه، حتى آتي بأربعة شهداء، فواللّه إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته، قال: فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينيه وسمع بأذنيه، فلم يهيجه حتى أصبح فغدا على رسول اللّه ﷺ فقال: يا رسول اللّه إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلاً فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول اللّه ﷺ ما جاء به واشتد عليه واجتمعت عليه الأنصار، وقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول اللّه ﷺ هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس، فقال هلال: واللّه إني لأرجو أن يجعل اللّه لي منها مخرجاً؛ وقال هلال: يا رسول اللّه فإني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به واللّه يعلم أني لصادق، فواللّه إن رسول اللّه ﷺ يريد أن يأمر بضربه إذا أنزل اللّه على رسوله ﷺ الوحي، وكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد وجهه، يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلت: { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات باللّه} الآية، فسري عن رسول اللّه ﷺ فقال: (أبشر يا هلال فقد جعل اللّه لك فرجاً ومخرجاً)، فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي عزَّ وجلَّ، فقال رسول اللّه ﷺ: (فأرسلول إليها)، فأرسلول إليها فجاءت فتلاها رسول اللّه ﷺ عليهما فذكرهما، وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: واللّه يا رسول اللّه لقد صدقت عليها، فقال: كذب، فقال رسول اللّه ﷺ: (لاعنوا بينهما)، فقيل لهلال، اشهد، فشهد أربع شهادات باللّه إنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة قيل له يا هلال اتق اللّه فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: واللّه لا يعذبني اللّه عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة أن لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل للمرأة: اشهدي أربع شهادات باللّه إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة اتقي اللّه فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت: واللّه لا أفضح قومي فشهدت في الخامسة أن غضب اللّه عليها إن كان من الصادقين؛ ففرق رسول اللّه ﷺ بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت لها من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها، وقال ﷺ: (إن جاءت به أصهيب أريشح حمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعداً جمالياً خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو للذي رميت به)، فجاءت به أورق جعداً جمالياً خدلج الساقين سابغ الأليتين، فقال رسول اللّه ﷺ: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)، قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميراً على مصر، وكان يدعى لأمه ولا يدعى لأب ""أخرجه الإمام أحمد وأبو داود بنحوه مختصراً" 

قال عكرمة : فكان ولدها بعد ذلك أميرا على مصر ، وكان يدعى لأمه ولا يدعى لأب .

( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ) وجواب الشرط محذوف، يدل عليه سياق الكلام أي: لأحل بأحد المتلاعنين الكاذب منهما، ما دعا به على نفسه، ومن رحمته وفضله، ثبوت هذا الحكم الخاص بالزوجين، لشدة الحاجة إليه، وأن بين لكم شدة الزنا وفظاعته، وفظاعة القذف به، وأن شرع التوبة من هذه الكبائر وغيرها.

 

قوله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣﴾‏ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٤﴾‏ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴿٢٥﴾‏ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٢٦﴾

التفسير

هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات -خرج مخرج الغالب- المؤمنات. فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة ، ولا سيما التي كانت سبب النزول ، وهي عائشة بنت الصديق، رضي الله عنهما .

وقد أجمع العلماء، رحمهم الله ، قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به (بعد هذا الذي ذكر) في هذه الآية، فإنه كافر، لأنه معاند للقرآن. وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي، والله أعلم .

وقوله تعالى : (لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) كقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا) [ الأحزاب ٥٧] .

وقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة ، فقال ابن أبي حاتم:

عن ابن عباس : (نَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) [ قال ] : نزلت في عائشة خاصة .

و قالت عائشة رضي الله عنها: رميت بما رميت به وأنا غافلة ، فبلغني بعد ذلك. قالت: فبينا رسول الله ﷺ جالس عندي إذ أوحي، إليه . قالت: وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات، وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي، ثم استوى جالسا يمسح على وجهه، وقال : " يا عائشة أبشري". قالت: قلت: بحمد الله لا بحمدك . فقرأ : (نَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ)، حتى قرأ : (أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) (النور ٢٦) .

وعن ابن عباس في قوله : (نَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) الآية : يعني أزواج النبيﷺ، رماهن أهل النفاق، فأوجب الله لهم اللعنة والغضب، وباؤوا بسخط من الله، فكان ذلك في أزواج النبي ﷺ ثم نزل بعد ذلك : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً) إلى قوله : (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ﴿٥﴾، فأنزل الله الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل، والشهادة ترد .

وقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثنا هشيم ، أخبرنا العوام بن حوشب ، عن شيخ من بني أسد ، عن ابن عباس - قال : فسر سورة النور ، فلما أتى على هذه الآية : (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)- قال : في شأن عائشة ، وأزواج النبيﷺ، وهي مبهمة، فقول : "وهي مبهمة"، أي: عامة في تحريم قذف كل محصنة، ولعنته في الدنيا والآخرة .

وقد اختار ابن جرير عمومها ، وهو الصحيح ، ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم :

بسنده  عن أبي هريرة; أن رسول اللهﷺ قال : " اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ" قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وَما هُنَّ؟ قالَ: الشِّرْكُ باللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَومَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ." .

أخرجاه في الصحيحين

 وعن حذيفة ، عن النبي ﷺ قال : " إنَّ قَذْفَ المُحصَنَةِ يَهدِمُ عملَ مائةِ سنةٍ " ( ضعيف)

وقوله تعالى: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٤﴾‏ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴿٢٥﴾‏ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٢٦﴾‏

وقوله ((يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)،

 عن ابن عباس قال: إنهم- يعني: المشركين- إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، قالوا: تعالوا حتى نجحد أي ننكر الأعمال السيئة-فيجحدون فيختم الله على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثا .

وعن أنس بن مالك ، قالَ: "ضَحِكَ النَّبيُّ ﷺ حتَّى بَدَتْ نَواجِذُه، ثُمَّ قالَ: تَدْرونَ ممَّا أَضحَكُ؟ قُلْنا: اللهُ ورَسولُه أَعلَمُ، قالَ: مِن مُجادَلةِ العَبْدِ رَبَّه يَوْمَ القِيامةِ، يقولُ: يا رَبِّ، أَلَمْ تُجِرْني مِن الظُّلْمِ؟ فيقولُ: بَلى، فيقولُ: لا أُجيزُ علَيَّ إلَّا شاهِدًا مِن نَفْسي، فيقالُ: كَفى بنَفْسِك اليَوْمَ عليك شَهيدًا، فيُختَمُ على فيه، فيُختَمُ علَى فِيهِ ويُقالُ لأركانِه انطِقي فتنطقُ بعَملِه ثمَّ يُخَلَّى بينه وبينَ الكلامِ فيقولُ : بُعْدًا لَكُنَّ وسُحْقًا فعنكُنَّ كنتُ أُناضِلُ" .(وقد رواه مسلم والنسائي )

وقال قتادة : ابن آدم ، والله إن عليك لشهودا غير متهمة من بدنك، فراقبهم واتق الله في سرك وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، والظلمة عنده ضوء والسر عنده علانية، فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن ، فليفعل ولا قوة إلا بالله .

وقوله : (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ) قال ابن عباس : ( دينهم ) أي : حسابهم ، وكل ما في القرآن ( دينهم) أي : حسابهم . وكذا قال غير واحد .

وقوله : (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) أي : وعده ووعيده وحسابه هو العدل، الذي لا جور فيه .

وقوله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) ﴿٢٦﴾

قال ابن عباس : الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول. والطيبات من القول، للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من القول – أي القول الخبيث يصدر من الرجل الخبيث، والطيب من القول يصدر من الرجل الطيب، وهكذا في النساء- قال : ونزلت في عائشة وأهل الإفك .

واختاره ابن جرير ، ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس، والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس، فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم; ولهذا قال: (أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) ، وهم أقرب المذكور، الطيبات من القول.

تفسير آخر للآية: وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء ، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال ، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء .

وهذا - أيضا - يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم ، أي : ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ﷺ إلا وهي طيبة; لأنه أطيب من كل طيب من البشر ، ولو كانت خبيثة لما صلحت له ، لا شرعا ولا قدرا; ولهذا قال: (أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) أي : هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان ، (لَهُم مَّغْفِرَةٌ) أي : بسبب ما قيل فيهم من الكذب ، (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) أي : عند الله في جنات النعيم . وفيه وعد بأن تكون زوجة النبي ﷺفي الجنة .

وقال ابن أبي حاتم: قال : جاء أسير بن جابر إلى عبد الله فقال: لقد سمعت الوليد بن عقبة تكلم بكلام أعجبني . فقال عبد الله : إن الرجل المؤمن يكون في قلبه الكلمة غير طيبة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها، فيسمعها رجل عنده يتلها فيضمها إليه. وإن الرجل الفاجر يكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الذي عنده يتلها فيضمها إليه، ثم قرأ عبد الله : (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) .

وروى الإمام أحمد في المسند مرفوعا : " ‏‏مَثَلُ الَّذِي يَسْمَعُ الْحِكْمَةَ ثُمَّ لَا يُخْبِرُ عَنْ صَاحِبِهِ إِلَّا بِشَرِّ مَا سَمِعَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى رَاعِيَ غَنَمٍ فَقَالَ أَجْزِرْنِي شَاةً مِنْ غَنَمِكَ فَقَالَ اخْتَرْ فَأَخَذَ بِأُذُنِ كَلْبِ الْغَنَمِ ‏" (ضعيف)

وفي الحديث الآخر : " الكلمةُ الحِكمةُ ضالَّةُ المؤمنِ حيثُ وجدَها فَهوَ أحقُّ بِها " ( ضعيف الترمذي)